في ذكرى رمضان

0 0

الخطبة الأولى

الحمد لله المبدئ المعيد، الفعال لما يريد، خلق الخلق، وقدر لهم أقدارا، وضرب لهم آجالا، لا يستأخرون عنها ساعة ولا يستقدمون، قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، علم ما كان، وما سيكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، خير من صلى وقام، وحج وصام، ونصح لله، وجاهد فيه حق جهاده، فصلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وأصحابه، أولي العفاف والنهى، وسلم تسليما كثيرا.

-عباد الله- اتقوا ربكم وراقبوه على كل حال، واعبدوه كأنكم ترونه، فإن لم تكونوا ترونه فإنه يراكم: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ‌حق ‌تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} [آل عمران: 102].

أما بعد:أيها المسلمون: في شهر رمضان المبارك تتجلى أسرار خالدة، وتترادف حكم باهرة، بحيث لا يمل كثرة الحديث عنها، بل قد يحلو إذا أعيد وتكرر، كما يحلو مذاق الشهد عند تكريره.

فلا عجب حين نسلط الضوء ولو قليلا على ما نصحح به بعض مفاهيمنا أو رتابتنا مع شهر رمضان، وما نحيي به ما تراكم عليه غبار النسيان في النفوس، حين يتخذ كثير من الناس في هذا الشهر صورة تقليدية تحكمها حركة العادة، لا حركة العبادة.

وفي شهر الحكم الربانية، والتجليات الروحانية، يجدر بالمؤمن الحق أن يستغل أوقاته، فإن هذا الشهر فرصة سانحة للاستثمار، تفتح فيه أبواب الجنة، وتغلق فيه أبواب النيران، وتصفد فيه الشياطين.

وفي هذا الشهر المبارك تشد النفوس إلى الدين والتدين، يذكرهم هذا الشهر بحق الله تعالى عليهم، يقبل الناس فيه على العبادة والعمل الصالح، حتى إنهم يرفعون بذلك درجة الاستعداد لتغيير ما في النفوس، حتى يغير الله ما بهم: {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} [الرعد: 11].
{يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون} [البقرة: 183].

في شهر رمضان المبارك ترتفع معايير القوة لدى المرء المسلم؛ بحيث يصعب اهتزازه، إذا هو أحسن الإعداد فيه، وأدرك سرا عظيما من أسرار هذا الشهر، قد تمثل قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا دخل شهر رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النيران، وصفدت الشياطين) متفق عليه.

فالخشية إذا كل الخشية -عباد الله- على أنفس مسلمة لم تجعل للشيطان حسابا في واقعها، وباتت غير آبهة بمكره وألاعيبه، هو وجنده من الجن والإنس: {وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون} [الأنعام: 121].

معاشر المؤمنين: إن مما لا شك فيه أن النفوس المسلمة قد تكون معترفة بقابليتها لألاعيب الشيطان ومكره؛ لكونها غير معصومة؛ إلا أن بعض هذه النفوس قد اعتقد أهلها أنهم محميون ضد آثاره وإفساده، بعد أن كونوا حولهم هالة زائفة من الاطمئنان لأحوالهم وأوضاعهم الرتيبة، مما يحرمهم ولا شك من إصلاح أخطائهم من جهة، ومعالجة سلوكياتهم.

ولا جرم عباد الله! أن الهوى مكايد، وكم من مؤمنين وقع في حبائل الشيطان ومصائده! كيـف لا!! ورسـول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم) متفق عليه.

إن الشعور الدائم بالتقصير هو الشعور الإيجابي المثمر الذي يدفع للعمل الآني واليومي، كما أن الشعور بالكمال العقيم شعور عاطفي، لن ينفي عن كل مسلم مسؤليته أمام الله عن أي سوء في حاله أو سلوكه، أو حياته، دينيا كان أو دنيويا: {ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا} [النساء: 123].

أيها المسلمون: كثيرون هم الذين يتحدثون من على منابر متنوعة عن شهر رمضان، وأنه شهر البطولات والأمجاد، وهذا أمر لا مراء فيه ولا جدال، غير أن الذي يجب تأكيده والثبات عليه هو أن البطولات والأمجاد لا تنال بمجرد التمني والتخييل؛ في حين أن القلب غافل لاه.

وإذا كان هذا الشهر الكريم مرتبطا ببطولات وأمجاد تعلقت في ذاكرة الأجيال؛ فعلى أبناء هذه الأمة ألا يكتفوا بالتذكر والتمني، بل يبذلوا الأسباب والأثمان، فإن سلعة الله غالية.

إن للبطولات والأمجاد ثمنا يجب تحصيله والوقوف عليه؛ لأن سلعة الله غالية، وسلعة الله هي الجنة: {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم} [التوبة: 111].

إن هذه السلعة هي الرابط الأساس بين المؤمنين وبين نصر الله لهم، وكلما كانوا إلى تحصيل هذه السلعة أقرب، كان النصر إليهم أقرب، والعكس بالعكس، ولا أدل على ذلك من قوله تعالى عن غزوة أحد حين ذاق فيها المسلمون أول هزيمة لهم إبان أوج كيانهم: {ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة} [آل عمران: 152].

إن للنصر شروطا، منها: قطع المعاصي، والنأي بالنفس أن تواقعها أو تتراءى لها؛ ولا أدل على أثرها في الخذلان والهزيمة أمام العدو من قول ابن مسعود رضي الله عنه عن هزيمة أحد: "فلو حلفت يومئذ رجوت أن أبر أنه ليس منا أحد يريد الدنيا حتى أنزل الله: {منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة} [آل عمران: 152]". رواه أحمد.

إن طريق المسلمين إلى النصر هو في سلوك فعل النبي صلى الله عليه وسلم حينما أحيا ليله في بدر وهو قائم يصلي، ويلح على ربه؛ ليتأكد من خلال هذا عظم شأن الصلاة واللجوء إلى الله في كشف الملمات ورفع النوازل.

إن شعوبا لا تخاف إلا الله لن يغلبها من لا يخاف الله، وإن من لا يعرف إلا الحق لن يغلبه من لا يعرف إلا الباطل، فجند الله هم الغالبون بالسيف والسنان، كما أنهم هم الغالبون بالحجة واللسان؛ غير أن الأمر قد بات من الخطورة بحيث يوجب البحث عن الأسباب المفضية إلى ضعف المسلمين وتكاثر خسائرهم الفادحة.

عباد الله: في شهر رمضان المبارك يلوح عبر الأجواء المطمئنة خلق الرحمة والتراحم بين المسلمين الذي هو مفتاح القبول لدى القلوب، والذي يضع الحياة الهانئة محل الجاهلية الجهلاء، والأثرة العمياء، فيرق الطبع، وتأنس فيه النفس؛ وهذا هو الدواء إذا استشرى الداء، وهو النصرة حين تخذل القوة.

إن الأمة المسلمة يوم يكون مالها أداة ترف، ومصدر استعلاء وطغيان، ويوم يكون الأغنياء وذوو اليسار أصحاب شح وبخل، فالويل والخسران لأمة أورثها المال هذه الحال.

إن الجمع بين الصيام والصدقة موجب من موجبات الجنة؛ حيث يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن في الجنة غرفا يرى ظهورها من بطونها، وبطونها من ظهورها، قالوا: لمن هي يا رسول الله؟ قال: لمن طيب الكلام، وأطعم الطعام، وأدام الصيام، وصلى والناس نيام) رواه الترمذي.

والمال غاد ورائح، ومقبل ومدبر، وما هو إلا وسيلة للإنفاق والبذل، وبلوغ الهدف الأخروي، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (أفضل الصدقة ما كان عن ظهر غنى) رواه البخاري.

فرحم الله عبدا كسب فتطهر، واقتصد واعتدل، ورزق فأنفق، وذكر ربه، ولم ينس نصيبه من الدنيا، فنعم المال الصالح للرجل الصالح، ويا خيبة من طغى عليه ماله، وأضاع دينه وكرامته، فضل وطغى أن رآه استغنى!! وكان من الذين قال الله فيهم: {وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين} [الجمعة: 11].

أقول ما سمعتم وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية

الحمد لله حمدا كثيرا، والصلاة والسلام على رسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

عباد الله: أوصيكم بتقوى الله في السر والعلن، فهي حبل النجاة من المحن والفتن، وخير زاد ليوم العرض العظيم.

أما بعد:

معاشر المؤمنين: إن المطلع على واقع كثير من الناس، وسط أجواء الاحداث والمتغيرات، والركام الهائل من البلايا والنوازل، ليلحظ بوضوح أن كثيرا من النفوس المسلمة تواقة إلى تحصيل ما يثبت قلوبها، والنهل مما تطفئ به ظمأها، وتسقي به زرعها، وتجلو به صدأها، فهي أحوج ما تكون إلى احتضان ضيف كريم يحمل في جنباته مادة النماء، يغلبها الشوق والتلهف إلى أن تطرح همومها وكدها وكدحها عند أول عتبة من أعتابه، بعد أن أنهكت قواها حلقات أحداث مترادفة بعضها يموج في بعض، فما برحت تأكل الأخضر واليابس، تفجع القلوب، وتعكر الصفو؛ فلأجل هذا كله كان الناس بعامة أحوج ما يكونون إلى حلول شهر الصيام والقيام، شهر الراحة النفسية، والصعود الروحي، شهر الركوع والسجود، شهر ضياء المساجد، شهر الذكر والمحامد، شهر الطمأنينة ومحاسبة النفس، وإيقاظ الضمير، والتخلص من النزعات الذاتية والملذات الآنية، والتي شرع الصيام لأجل تضييق مجاريها في النفوس كونه فرصة كل تائب، وعبرة كل آيب: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون} [البقرة: 183].

هذا وصلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة والسلام عليه، بقول ربنا سبحانه: {إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا ‌صلوا ‌عليه ‌وسلموا تسليما} [الأحزاب: 56].


 

مواد ذات صلة

المقالات

المكتبة