- اسم الكاتب:إسلام ويب
- التصنيف:العبادات الموسمية
الخطبة الأولى
الحمد لله العلي الأعلى، الذي أنعم علينا بنعم لا تحصى، والذي أسرى بعبده محمد صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وعرج به بصحبة جبريل الأمين إلى السماوات العلى، وأراه من آياته العظمى.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، القائل: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى} [الإسراء: 1]. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى التابعين لهم بإحسان وسلم تسليما.
{يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} [آل عمران: 102].
أما بعد:
أيها المؤمنون: اشكروا الله تعالى على ما أنعم به عليكم من النعم الكبرى، فإن نعم الله علينا سابغة وفضله عظيم، لقد من الله علينا فبعث فينا خير خلقه أجمعين محمدا صلى الله عليه وسلم، ثم من علينا بنعمة كبرى وجعلنا من خير أمة أخرجت للناس، وأيد نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم بمعجزة خالدة قرت بها أعين المؤمنين وازدادوا بها إيمانا وتصديقا وتسليما.
تلك المعجزة العظيمة هي الإسراء والمعراج بأكرم الخلق على الله محمد صلى الله عليه وسلم حيث أسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم عرج به إلى السماوات العلى، إنها لعبرة الدهر يغص بها الملحدون كما غص بها من قبلهم الجاحدون من صناديد قريش وأشباههم الذين تصدوا لدعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أيها المسلمون: إن حادثة الإسراء والمعراج حادثة عظيمة فقد أشاد بها القرآن، وسميت سورة كاملة بها؛ إنها سورة "الإسراء".
وقد اختلف العلماء رحمهم الله في تحديد اليوم والشهر والسنة التي وقعت فيها حادثة الإسراء والمعراج، والمشهور أنه في رجب في ليلة السابع والعشرين منه، لكن لا يوجد دليل جازم على التحديد.
عباد الله: وعلى فرض معرفة وقت الإسراء والمعراج فإنه لا يجوز الاحتفال به؛ لأنه لم يكن من هدى الرسول صلى الله عليه وسلم ولا صحابته الكرام، ولا العلماء والفقهاء الأوائل. وإنما أحدثها البعض في الأزمنة المتأخرة وابتدعوا ما لم يأمر الله به ولا رسوله صلى الله عليه وسلم.
فما هي قصة الإسراء والمعراج:
لما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بـمكة قبل الهجرة أتي بدابة بيضاء دون البغل وفوق الحمار يقال لها: البراق، يضع خطوه عند منتهى طرفه، فركبه صلى الله عليه وسلم وبصحبته جبريل الأمين عليه السلام حتى وصل بيت المقدس فنزل هناك وصلى بكل الأنبياء والمرسلين إماما وهم يصلون خلفه، ويتبين بذلك فضل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه الإمام المتبوع.
ثم عرج به جبريل إلى السماء الدنيا فاستفتح فقيل: من هذا؟ قال: جبريل . قال: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحبا به فنعم المجيء جاء. ففتح له صلى الله عليه وسلم فوجد فيها آدم عليه السلام، فقال جبريل: هذا أبوك آدم فسلم عليه؟ فسلم عليه فرد عليه السلام وقال: مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح، وإذا عن يمين آدم عليه السلام أرواح السعداء، وعلى يساره أرواح الأشقياء من ذريته؛ فإذا نظر إلى اليمين سر وضحك، وإذا نظر قبل شماله بكى.
ثم عرج به إلى السماء الثانية، ووجد فيها يحي وعيسى عليهما الصلاة والسلام وهما أبناء خالة، فقال جبريل: هذان يحيى وعيسى فسلم عليهما، فسلم عليهما فردا السلام، وقالا: مرحبا بالأخ الصالح، والنبي الصالح.
ثم عرج به إلى السماء الثالثة فوجد فيها يوسف عليه السلام فقال جبريل: هذا يوسف فسلم عليه، فسلم عليه فرد السلام، وقال: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح.
ثم عرج به إلى السماء الرابعة فوجد فيها إدريس عليه السلام، فسلم عليه فرد السلام، وقال: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح.
ثم عرج به إلى السماء الخامسة فوجد فيها هارون عليه السلام، فسلم عليه، فرد السلام وقال: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح.
ثم عرج به إلى السماء السادسة فوجد فيها موسى عليه الصلاة والسلام، فسلم عليه، فرد عليه السلام وقال: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح. ولما تجاوزه بكى موسى عليه السلام، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: أبكي لأن غلاما بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخلها من أمتي؛ فكان بكاء موسى حزنا على ما فات أمته من الفضائل لا حسدا لأمة محمد صلى الله عليه وسلم.
ثم عرج به إلى السماء السابعة فوجد فيها إبراهيم عليه الصلاة والسلام، فسلم عليه، فرد عليه السلام وقال: مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح، وكان إبراهيم عليه السلام مسندا ظهره إلى البيت المعمور في السماء السابعة الذي يدخله كل يوم سبعون ألفا من الملائكة يتعبدون ويصلون ثم يخرجون ولا يعودون إليه أبدا.
ثم رفع النبي صلى الله عليه وسلم إلى سدرة المنتهى فغشيها من أمر الله من البهاء والحسن ما غشيها، حتى لا يستطيع أحد أن يصفها من حسنها.
ثم فرض الله عليه الصلاة خمسين صلاة كل يوم وليلة، فرضي بذلك صلى الله عليه وسلم ثم نزل؛ فلما مر بموسى عليه السلام، قال: ما فرض ربك على أمتك؟ قال: خمسين صلاة في كل يوم وليلة، فقال: إن أمتك لا تطيق ذلك، وقد جربت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، قال النبي صلى الله عليه وسلم: فرجعت فوضع عني عشرا، وما زال يراجع ربه حتى استقرت الفريضة على خمس، فنادى مناد: أن أمضيت فريضتي وخففت على عبادي، أي: خمسين في الميزان، وخمس في العمل.
عباد الله: هذه الصلاة فرضها رب العزة والجلال من فوق سبع سماوات بدون واسطة، الصلوات الخمس التي يوصي بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يلفظ في آخر حياته وهو يقول: {الصلاة.. الصلاة.. الصلاة..} فاتقوا الله في صلاتكم، وحافظوا عليها؛ فإن من حافظ عليها كانت له نجاة وبرهانا يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم تكن له نجاة ولا برهانا، بل حسرة وخسرانا.
وفي هذه الرحلة المباركة أدخل نبي الهدى صلى الله عليه وسلم الجنة؛ فإذا فيها قباب اللؤلؤ، وإذا ترابها المسك، ورأى النار وبعض عذاب أهلها؛ فاعملوا للجنة واتقوا النار.
ثم نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى مكة بغلس، وصلى فيها الصبح؛ فلما أصبح أخبر قريشا بما رأى، فكان في ذلك امتحان لهم وزيادة في الطغيان والتكذيب، وقالوا: كيف تزعم يا محمد أنك أتيت بيت المقدس ورجعت في ليلة ونحن نضرب إليه أكباد الإبل شهرا في الذهاب وشهرا في الرجوع؟! فهات وصف لنا بيت المقدس؟
فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يصفه لهم حيث جلاه الله له، فجعل ينظر إليه وينعته لهم، فبهتوا! وقالوا: أما الوصف فقد أصاب.
وجاء الناس إلى أبي بكر رضي الله عنه، فقالوا: إن صاحبك يقول كذا.. وكذا..، فقال: إن كان قاله فقد صدق، ثم جاءه وحوله المشركون يحدثهم صلى الله عليه وسلم؛ فكلما قال صلى الله عليه وسلم شيئا، قال أبو بكر: صدقت؛ فسمي الصديق من أجل ذلك رضي الله عنه وأرضاه.
أقول ما سمعتم وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه، وأشكره على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيما لشأنه، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه وإخوانه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليما كثيرا.
عباد الله: اتقوا الله تعالى وتبصروا في دينكم، واحذروا البدع المحدثة التي تبعدكم عن الله، وتصدكم عن الصراط المستقيم.
أما بعد:
معاشر المؤمنين: من دروس هذه المعجزة العظيمة:
اليقين بأن الفرج يأتي بعد الشدة: فقد جاءت رحلة الإسراء والمعراج في "عام الحزن"، بعد وفاة السيدة خديجة رضي الله عنها وعم النبي أبي طالب، وبعد ما لاقاه النبي ﷺ من أذى في الطائف.
فالله لا يترك أولياءه، والضيق مهما اشتد فإن فرج الله قريب، وعطاءه مدهش.
أهمية ومكانة الصلاة: فالصلاة هي العبادة الوحيدة التي فرضت في السماء وليس في الأرض، وبدون واسطة بين الله ورسوله؛ وهذا يدل على عظم قدر الصلاة، فهي "معراج المؤمن" إلى ربه، والصلة التي لا تنقطع بين العبد وخالقه.
وحدة الرسالات السماوية وإمامة النبي ﷺ وهذا يؤكد أن دين الأنبياء واحد، وإن كانت شرائعهم متعددة، وأن النبي محمد ﷺ هو خاتم المرسلين وإمامهم، وأن رسالته هي الرسالة المهيمنة والخاتمة.
الربط بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى، مما يدل على توثيق العلاقة العقدية بين المسجدين، والتأكيد على قدسية المسجد الأقصى في وجدان المسلمين، وأنه أمانة في أعناقهم إلى يوم الدين.
الصدق والثبات على المبدأ؛ عندما كذب المشركون النبي، قال أبو بكر الصديق: "إن كان قال فقد صدق"؛ وهذا يدل على وجوب التصديق المطلق بما ثبت عن الله ورسوله، حتى وإن لم تدركه العقول المحدودة، فقدرة الخالق فوق القوانين البشرية.
كمال القدرة الإلهية: فالإسراء "رحلة أرضية" والمعراج "رحلة علوية" وفي ليلة واحدة وبسرعة تفوق الخيال؛ وهذا يذكر المسلم بأن الله "على كل شيء قدير"، وأن الأسباب والمسببات بيد الله، يغيرها كيف يشاء لخدمة دينه وعباده.
الجزاء من جنس العمل: فقد رأى النبي ﷺ في رحلته نماذج من عذاب العصاة؛ مثل آكلي أموال اليتامى والمغتابين، ورأى نعيم الطائعين؛ وفي هذا غرس الرقابة الذاتية في نفس المسلم، والتأكيد على أن الآخرة حق، وأن كل عمل يقوم به الإنسان في الدنيا له نتيجة مرصودة.
هذا وصلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة والسلام عليه، بقول ربنا سبحانه: {إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما} [الأحزاب: 56].

المقالات

