- اسم الكاتب:إسلام ويب
- التصنيف:العبادات الموسمية
الخطبة الأولى
الحمد لله رب العالمين، أمر بالعدل والإحسان، ونهى عن الظلم والبغي والطغيان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل الدنيا دار ابتلاء وامتحان، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، إمام الصابرين، وقائد المجاهدين، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.
معاشر المؤمنين: عليكم بتقوى الله فهي خير زاد ليوم المعاد، وهي نجاة من الفتن في الدارين، {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} [آل عمران: 102].
أما بعد:
عباد الله: الابتلاء من سنن الله الثابتة في هذا الكون، فالدنيا دار ابتلاء وامتحان، ولا يخلو عصر من محنة، ولا زمن من بلاء، قال تعالى: {ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين} [البقرة: 155].
وهذا يشمل ما نرى اليوم من نزاعات وصراعات، وكوارث وأزمات كبرى تعصف بالبشرية؛ فالبلاء هنا يشمل كافة أنواع الامتحانات.
وهي سنة ماضية في الخلق، يجري بها قدر الله، ويميز بها الخبيث من الطيب، والصادق من المدعي، قال تعالى: {أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون (2) ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين} [العنكبوت: 2-3].
إنها مواقف يمتحن فيها صدق الإيمان، وثبات العقيدة، وحسن التعامل مع قضاء الله وقدره، فيظهر فيها من يثبت على الحق ولو اشتدت الخطوب، ومن يتزعزع إذا ادلهمت الفتن، {ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم} [محمد: 31].
ولقد مرت بالأمة الإسلامية أحداث جسام، فكانت محكا للإيمان، كما وقع يوم غزوة أحد حين أصاب المسلمين ما أصابهم، حتى قال بعضهم: أنى هذا؟ فأنزل الله قوله: {قل هو من عند أنفسكم} [آل عمران: 165]، تربية على تحمل المسؤولية، وردا للأمر إلى سنن الله في النصر والهزيمة.
وكذلك في غزوة الأحزاب حين بلغت القلوب الحناجر، وزلزل المؤمنون زلزالا شديدا، قال تعالى: {هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا} [الأحزاب: 11]، فكان الابتلاء تمحيصا ورفعة وتمكينا بعد الشدة.
هذا الامتحان له حكمه العظيمة منها: تنقية الإيمان وتمحيصه، وتشخيص الصادق من المدعي، وتثبيت القلوب في الشدائد، وتدريب الأمة على الاعتماد على الله والعمل بالأسباب، ورفع الدرجات، وتكفير السيئات. عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما يصيب المسلم، من نصب ولا وصب، ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفر الله بها من خطاياه) متفق عليه.
بل إن نبينا ﷺ نفسه امتحن في مصاعب عظيمة؛ فعاش أصعب الظروف والمواقف والأزمات، ثم أنزل الله عليه هذه الآيات التربوية: {ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين} [آل عمران: 139]؛ هذه الآيات تربية للمؤمن حين يمر بأحداث كبرى.
أيها المسلمون: ونظرة سريعة في واقعنا المعاصر تظهر مدى الكوارث والأزمات والصراعات، وكيف أنها أصبحت جزءا من واقع البشرية اليوم، ما يستدعي من المسلم فهم هذه السنن الإلهية في الابتلاء.
معاشر المؤمنين: ولو تسائلنا ما أسباب هذه الأحداث؟ وكيف يتعامل معها المسلم؟
والجواب عن السؤال الأول: إن لهذه الأحداث أسباب عديدة، ومنها:
• كثير منها بما كسبته يد الإنسان من مخالفته لمنهج الله، وعدم العمل به، {ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون} [الروم: 41]، {أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم إن الله على كل شيء قدير} [آل عمران: 165].
• سوء تصرف من الإنسان إما بالحقد والكراهية، أو بالطمع فيما عند غيره، أو الخصومات سواء دينية أو غيرها. {فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين} [المائدة: 30]؛ ودافعه لذلك الغيرة والحقد؛ {واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين} [المائدة: 27].
• ما يكون من الله سبحانه جريا على سنن القدر الكونية؛ ومنه ما يكون ابتلاء للمؤمنين فهي سنة الله التي لا تتبدل، {الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم} [الملك: 2].
وفي الحديث: (أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلبا اشتد به بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتلي على قدر دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة) رواه أحمد.
معاشر المؤمنين: إن الحروب والكوارث والأزمات محطات لتمحيص الإيمان، ورفع الدرجات، وتكفير السيئات.
فلنكن في زمن الفتن: (صابرين لا جزعين، عاملين لا متواكلين، راحمين لا قساة، دعاة إصلاح لا دعاة فتن).
ولنرب أبناءنا على الثبات، ونحيي فيهم معاني الإيمان واليقين، فإن الأمة التي تعود إلى ربها في الشدائد، هي الأمة التي يكتب الله لها النصر والتمكين. قال تعالى: {ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم} [محمد: 31].
أقول ما سمعت وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه. والصلاة والسلام على محمد عبده ورسوله، وعلى آله وصحبه ومن سار على دربهم إلى يوم الدين.
أيها المسلمون: أما الجواب عن السؤال الثاني: كيف يتعامل المسلم مع هذه الأحداث والتغيرات؟
لا بد أن يعلم أولا: أن الخوف أو القلق، أو الرهبة أو الخشية قد تحصل حتى لكثير من المؤمنين، {وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا} [الأحزاب: 10].
ثانيا: ومما لا شك فيه أيضا أن الشيطان من مقاصده إحزان المسلم وتخويفه في مثل هذه الحالات، {ليحزن الذين آمنوا وليس بضارهم شيئا إلا بإذن الله} [المجادلة: 10]، {إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين} [آل عمران: 175].
وعليه فينبغي للمسلم أن يسلك المنهج الشرعي في التعامل مع مثل هذه الحالات ولزوم الهدي النبوي، والآداب الشرعية المرعية، ومن ذلك:
• الصبر والرضا بقضاء الله، عن صهيب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له) رواه مسلم.
• الرجوع إلى الله بالتوبة والإنابة وإصلاح النفس في تعاملها مع الله ومع الخلق: {فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين} [العنكبوت: 65]، فإذا كان هذا حال الكافرين فالمؤمنون أولى وأشد والذين آمنوا أشد حبا لله.
• الأخذ بالأسباب وعدم الاستسلام، قال تعالى: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة} [الأنفال: 60]؛ فهذا هو منهج المسلم: عمل بالأسباب، وثقة برب الأرباب.
• الفزع إلى الصلاة والقيام بالعبادات: في الحديث (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر صلى) رواه أبو داود.
• الدعاء: ومن ذلك دعاء الريح (اللهم إني أسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به)، ونحو ذلك من الأدعية، في تفريج الهم والكرب، وزوال الشر والنقم والمصائب.
• ذكر الله: عن ابن عباس أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول عند الكرب: (لا إله إلا الله العظيم الحليم. لا إله إلا الله رب العرش العظيم. لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض ورب العرش الكريم) وفي لفظ (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان، إذا حزبه أمر، قال..) رواه مسلم.
• نشر الطمأنينة بموعود الله وأن هذا كله قدر الله المكتوب الذي لا يتبدل:
فيلزم المسلم التفاؤل، وحسن الظن بالله؛ فالمؤمن لا ييأس مهما اشتدت المحن، قال تعالى: {وبشر الصابرين (155) الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون} [البقرة: 155-156]، {قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون} [التوبة: 51].
• الثبات وعدم الانجرار خلف الشائعات: ففي أوقات الأزمات تكثر الإشاعات والاضطرابات، فينبغي للمسلم أن يتحرى الصدق، قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا} [الحجرات: 6]، وقد عالج القرآن حادثة الإفك في عهد النبي ﷺ، فكان درسا عظيما في التثبت وضبط اللسان.
• نصرة المظلوم والوقوف مع الحق: فالمسلم يقف مع العدل، وينصر المظلوم، ويحذر من الظلم والبغي، عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (انصر أخاك ظالما أو مظلوما، قالوا: يا رسول الله، هذا ننصره مظلوما، فكيف ننصره ظالما؟ قال: تأخذ فوق يديه) رواه البخاري.
• الرحمة والإغاثة في أوقات الكوارث: فيكون المسلم عنصر بناء ورحمة، عن أبي موسى رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (المؤمن للمؤمن كالبنيان، يشد بعضه بعضا وشبك بين أصابعه) متفق عليه.
هذا وصلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة عليه، كما قال رب العزة جل جلاله، {إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما} [الأحزاب: 56].

المقالات

