خطبة عيد الفطر

0 0

 

الخطبة الأولى

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون}(آل عمران:102)، أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، أما بعد، أيها المسلمون:

كل عام وأنتم بخير، كل عام وأنتم إلى الله أقرب، وعلى طاعته وعبادته أثبت وأدوم، وتقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال..
الله أكبر الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد..

أعيادنا في الإسلام ليست مجرد فرح ولهو، بل هي عبادة تأتي بعد مواسم عظيمة من الطاعات والعبادات، فعيد الفطر يأتي بعد شهر رمضان وما فيه من خيرات وبركات وليلة القدر، وعيد الأضحى يأتي بعد يوم عرفة أعظم أيام الدنيا، ومن المعلوم أن الله عز وجل خلقنا لعبادته، وقال سبحانه: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون}(الذاريات:56).
والعبادة في الإسلام لا تقتصر على الصلاة والصيام والزكاة والحج فقط، بل تشمل حياة الإنسان كلها، كما قال تعالى: {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين}(الأنعام:162).. والعبادة كما شرحها العلماء: هي كل ما يحبه الله من قول أو عمل، فبر الوالدين عبادة، والإحسان إلى الزوجة والأولاد والجيران عبادة، والكلمة الطيبة والابتسامة في وجه أخيك صدقة وعبادة، والسعي في طلب الرزق عبادة.. فالإسلام يجعل حياة المسلم كلها عبادة ومتصلة ومرتبطة بحسن الأخلاق، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) رواه أحمد.

الله أكبر الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد..
أيها المؤمنون: الفائز حقا في رمضان هو من يحافظ بعده على الطاعات، ويداوم على العبادات وفعل الخيرات. قال الحافظ ابن رجب رحمه الله: "علامة قبول الطاعة أن توصل بطاعة بعدها، وعلامة ردها أن توصل بمعصية، ما أحسن الحسنة بعد الحسنة، وما أقبح السيئة بعد الحسنة".
فالمداومة على العبادة بعد رمضان دليل من دلائل قبولها، وأحب الأعمال إلى الله ما كان مستمرا وإن كان قليلا، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أحب الأعمال إلى الله تعالى أدومها وإن قل) رواه مسلم.
وهذا ليس دعوة لتقليل الطاعات والعبادات، بل دعوة للمحافظة عليها ولو كانت قليلة، ثم الانطلاق منها إلى المزيد والمزيد، فالمهم أن تستمر وتداوم على طاعة الله وعبادته في رمضان وبعده وفي كل حياتك..

ومن أعظم ما يعين على هذه المداومة أن تعرف ثمراتها، ومن أعظمها أن تصل إلى محبة الله عز وجل، ففي الحديث القدسي يقول الله تعالى: (وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه) رواه البخاري.
وإذا أحب الله عبدا نادى جبريل: (إن الله يحب فلانا فأحبه، فيحبه جبريل، وينادي جبريل في أهل السماء: إن الله يحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في أهل الأرض) رواه البخاري. فالمحافظ والمداوم على طاعة الله وعبادته يحبه الله، ويحبه أهل السماء، ويوضع له القبول في الأرض..

الله أكبر الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد..
ومن ثمرات المداومة على الطاعة والعبادة أن العبد لا يشعر بالحسرة إذا مرض أو عجز عن العمل، لأن الله تعالى بفضله يكتب له أجر ما كان يفعله وهو صحيح، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل مقيما صحيحا) رواه البخاري.
فاحرصوا ـ عباد الله ـ على طاعة وعبادة ربكم، وداوموا عليها في رمضان وبعد رمضان، وفي سائر أيام حياتكم، لتفوزوا بمحبة الله ومرضاته، واجعلوا الطاعة والعبادة منهج حياتكم، فلا تكونوا من الذين يعبدون الله موسما ثم ينقطعون، بل كونوا من الذين يعبدون الله في كل وقت وحين، في السراء والضراء، في الصحة والمرض، في الغنى والفقر، في رمضان وبعد رمضان..
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم..

الخطبة الثانية
الحمد لله الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أما بعد، أيها المسلمون:

الله أكبر الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد..
مع ما نراه ونعيشه في أيامنا من أحداث تمر بها أوطاننا وأمتنا الإسلامية، ومع ما يعتصر قلوبنا من ألم وحزن، يبقى العيد مناسبة شرعية أمرنا الله أن نفرح فيها، ولا تعارض بين إظهار الفرح المشروع في العيد وبين الحزن لما يصيب الأمة من ابتلاءات، فالفرح في العيد فرح بالعبادة، وهو عبادة في ذاته ومن شعائر الدين..
فلنغتنم هذه الأيام المباركة لنفرح وندخل السرور على أنفسنا وأهلنا وكل من حولنا، فإدخال السرور على المسلم عمل عظيم يحبه الله، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله عز وجل سرور يدخله على مسلم) رواه الطبراني.
فأدخلوا السرور على آبائكم وأمهاتكم ببرهم والإحسان إليهم في حياتهم، وبالدعاء والصدقة عنهم إن كانوا قد رحلوا..
أدخلوا السرور على أهلكم وزوجاتكم وأولادكم وجيرانكم وأصحابكم..
وأدخلوا السرور على الفقراء والمساكين واليتامى، فإن إدخال الفرح والسرور عليهم عبادة عظيمة، وهو أوجب ما يكون في أيام العيد..
فالعيد فرصة لتجديد الروح، وإحياء معاني الأخوة، وتقوية روابط المجتمع، فاجعلوه موسما للطاعة والرحمة، كما هو موسما للفرح والسرور..

هذا وصلوا وسلموا على السراج المنير، والهادي البشير، كما أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله: {إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما} (الأحزاب:56)..
 

مواد ذات صلة

المقالات

المكتبة