صيام الست من شوال فضلها وأحكامها

0 0

الخطبة الأولى

الحمد لله الملك الديان، واسع الفضل والإحسان، الذي شرع لعباده من الطاعات ما تزكو به النفوس، وتسمو به الأرواح، وتغفر به الذنوب والسيئات، أحمده سبحانه حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل مواسم الخير متتابعة، وأبواب الرحمة مفتوحة، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبد الله ورسوله، دل الأمة على أبواب الخير، وحثها على اغتنام الأوقات، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.

أيها المسلمون: أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل وطاعته، فهي وصية الله للأولين والآخرين: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ‌حق ‌تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} [آل عمران: 102]، {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ‌ولتنظر ‌نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون} [الحشر: 18]، {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا (٧٠) ‌يصلح ‌لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما} [الأحزاب: 70-71].

أما بعد:

عباد الله: اعلموا أن من رحمة الله بعباده أن لم يجعل الطاعات مقصورة على زمن واحد، بل نوعها ووزعها على سائر الأيام، ليبقى العبد موصولا بربه، دائم الصلة به، ومن أعظم تلك المواسم التي تعقب شهر رمضان: صيام الست من شوال، تلك العبادة التي يغفل عنها كثير من الناس، وهي من كنوز الطاعات، ومن أسباب تمام الأجر وكمال القبول، وهي من متابعة الإحسان بالإحسان.

معاشر المؤمنين: إن فضل صيام الست من شوال ثابت في الحديث الصحيح عن ‌أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (‌من ‌صام ‌رمضان، ‌ثم ‌أتبعه ستا من شوال، كان كصيام الدهر) رواه مسلم.
وهذا الحديث أصل عظيم في بيان فضل هذه الأيام، فقد شبه النبي صلى الله عليه وسلم صيامها بصيام الدهر كله؛ وذلك لأن الحسنة بعشر أمثالها، {من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها} [الأنعام: 160]، فرمضان بعشرة أشهر، والستة بستين يوما، فيتحصل من ذلكم أجر صيام سنة كاملة.

قال بعض السلف: "صيام رمضان كالفريضة، وصيام الست من شوال كالسنن الرواتب التي تكمل النقص".

ومن فضلها أيضا: أنها علامة على قبول رمضان؛ فإن من علامات قبول الحسنة أن يوفق العبد بعدها لحسنة أخرى.

ومن فضلها: أنها تجبر ما قد يقع في صيام رمضان من خلل أو نقص.

ومن فضلها: أنها سبب لمداومة العبد على الطاعة وعدم الانقطاع بعد الموسم. وقد قال الله تعالى: {ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون} [البقرة: 185]، فمن تمام شكر نعمة الصيام أن يتبعها بطاعة أخرى.

أيها المسلمون: وصيام الست من شوال سنة مستحبة عند جمهور العلماء، وليست واجبة، ولكنها من السنن العظيمة التي لا ينبغي للمسلم أن يفرط فيها.
وقد كان بعض السلف يحرصون عليها حرصا شديدا، حتى قال أحدهم: "إن من لم يتبع رمضان بست من شوال فكأنما زهد في ثواب الدهر كله".

معاشر المؤمنين: ويجوز صيام الست من شوال على أي صورة:
عقب رمضان وهو الأفضل، أو متباعدة عنه وهو جائز.
متتابعة: وهذا أفضل عند أكثر العلماء.
ومتفرقة: وهذا جائز بلا كراهة.

والمقصود هو تحصيل صيام ستة أيام من الشهر، سواء كانت في أوله أو وسطه أو آخره.
والمبادرة أدل على المسارعة إلى الخير، وقد قال الله تعالى: {فاستبقوا الخيرات أين ما تكونوا يأت بكم الله جميعا إن الله على كل شيء قدير} [البقرة: 148].

عباد الله: وهنا مسألة مهمة وهي: أيهما يكون أولا تقديم القضاء أو صيام الست؟
من كان عليه قضاء من رمضان، فالراجح أنه يبدأ بالقضاء أولا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من صام رمضان ثم أتبعه…).
ومن عليه قضاء لا يقال إنه صام رمضان كاملا.
لكن لو صام الست قبل القضاء، فله أجرها إن شاء الله، إلا أن تقديم القضاء أولى وأحوط.

وفصل بعض العلماء فقال: إن كان الفطر في رمضان بدون عذر فيلزم المرء البداية بالقضاء أولا قبل الست من شوال؛ لأن المسارعة للقضاء واجبة في حق من أفطر بغير عذر. وإن كان الفطر بعذر من مرض أو حيض أو سفر فلا بأس بالبداية بالست من شوال. قال النووي: "ومذهب مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد وجماهير السلف والخلف أن قضاء رمضان في حق من أفطر بعذر كحيض وسفر يجب على التراخي، ولا يشترط المبادرة به أول الإمكان".

وعلى الراجح من أقوال العلماء لا يجوز نية التشريك بين القضاء والست من شوال، فلا يصح أن يجمع الصائم بين نية قضاء ما فات من رمضان مع صوم الست من شوال في يوم واحد.

عباد الله: ولو تسائلنا ما الحكمة من صيام الست، فسنجد أن لهذه العبادة حكما عظيمة، ومنها:
دوام الطاعة: حتى لا ينقطع العبد بعد رمضان.
وجبر النقص: فإن الفرائض تكمل بالنوافل.
وتربية النفس: على الاستمرار وعدم التراخي.
وشكر الله على نعمة رمضان: فإن الشكر يكون بالعمل.

قال بعض الحكماء: "من علامة القبول أن ترى العبد بعد الطاعة في طاعة أخرى".

أيها المسلمون: ولنا في قصص السلف في المحافظة على الطاعة خير قدوة ومثال، فقد كان بعض السلف إذا انتهى رمضان، لا يشعر بانقطاع الموسم، بل يبدأ موسما آخر من الطاعة.
يروى عن أحدهم أنه كان يقول: "بئس القوم لا يعرفون الله إلا في رمضان".

وكان آخر إذا قيل له: ألا تستريح بعد رمضان؟ قال: "الراحة في الجنة، أما الدنيا فهي دار عمل".
وهذا هو حال الصادقين، لا يجعلون العبادة موسمية، بل حياتهم كلها طاعة.

وقد صدق من قال في اغتنام الأوقات:
إذا هبت رياحك فاغتنمها   ***     فإن لكل خافقة سكون
ولا تغفل عن الإحسان فيها  ***    فما تدري السكون متى يكون

وعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: "تعودوا الخير، فإن الخير عادة، وإياكم وعادة السواف".
وقال بعض الحكماء: "إياك والتسويف لما تهم به من فعل الخير، فإن وقته إذا زال لم يعد إليك".

أقول ما سمعتم وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.


الخطبة الثانية

الحمد لله حمدا كثيرا، والصلاة والسلام على رسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

عباد الله: أوصيكم بتقوى الله في السر والعلن، فهي حبل النجاة من المحن والفتن، وخير زاد ليوم العرض العظيم.

أما بعد:

معاشر المؤمنين: بادروا بصيام الست من شوال واحتسبوا الأجر العظيم، فما عند الله خير وأبقى.
ولا تؤجلوها بلا عذر، فعاقبة التسويف الحرمان والندم، واجعلوا منها دليل استدامة على الطاعة والعمل الصالح، فحال المسلم كما قال الله تعالى: {فإذا فرغت فانصب (7) وإلى ربك فارغب} [الشرح: 7، 8].فالعبادات مستمرة في كل وقت وحين، سواء في مواسم الطاعات والأوقات الفاضلة المباركة، أو غيرها من سائر أوقات العام.

وختاما: عباد الله: إن المواسم تمضي سريعا، والأعمار أقصر مما نظن، والسعيد من اغتنم أيامه فيما يرضي ربه، فصيام الست من شوال فرصة عظيمة لا ينبغي التفريط فيها.

فاحرصوا وداوموا على طاعة ربكم، واثبتوا بعد رمضان، فإن رب رمضان هو رب شوال وسائر الشهور.

هذا وصلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة والسلام عليه، بقول ربنا سبحانه: {إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا ‌صلوا ‌عليه ‌وسلموا تسليما} [الأحزاب: 56].

 

مواد ذات صلة

المقالات

المكتبة