- اسم الكاتب:إسلام ويب
- التصنيف:العبادات الموسمية
الخطبة الأولى
الحمد لله رب العالمين، له الحمد على ما أولى وأنعم، وله الشكر على ما هدى وألهم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل الأوقات رأس مال العبد، وسيسأله عنها يوم القيامة، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبد الله ورسوله، دل على كل خير، وحذر من كل شر، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.
أيها المسلمون: أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل وطاعته، فهي وصية الله للأولين والآخرين: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} [آل عمران: 102].
أما بعد:
معاشر المؤمنين: بعد أيام قليلة يستقبل كثير من الشباب والطلاب، ومعهم أولياء أمورهم استقبال إجازة طويلة تحتاج إلى برنامج عملي جاد ونافع، وإلا فستعود على أصحابها بالوبال، وضياع أوقاتهم فيما لا جدوى فيه ولا طائل تحته.
أيها المسلمون: والناس أمام الوقت أصناف:
منهم من يرى الوقت عبئا يسعى للتخلص منه، ويقلب السبل للقضاء عليه وقتله، فتراه يبحث عن فرص اللهو والمتعة الزائفة التي لم يكترث بمآلها وعواقبها.
وآخرون ينظرون إلى الوقت كغنيمة بكل ما تعنيه الغنيمة من معنى، تحتاج إلى المبادرة بالاستفادة منها، وإلى الإعداد قبل الدخول فيها.
وأقوام تمر عليهم الأوقات يستوي فيها ليلها ونهارها، وجدها وهزلها، ونافعها وضارها، فهم كما قال القائل:
ولكنها عن قسوة القلب قحطها *** فيا ضيعة الأعمار تمضي سبهللا
عباد الله: إن هذه الإجازة هي قطعة من العمر، وجزء من الحياة والزمن، وكل يوم يمضي منها فهو مقرب إلى الموت والقبر والنهاية والآخرة، فالعاقل ينظر إلى هذه الإجازة أنها مطايا تحثه وتسير به إلى آخرته؛ نعم قد يسر البعض بحلول هلال شهره، وزوال بدره، وهو كما قال القائل:
يسر المرء ما ذهب الليالي *** وإن ذهابهن له ذهابا
معاشر المؤمنين: والمتأمل في هذه الإجازة بعين البصيرة، ومنطق العقل، وهدى الوحي، يراها قطعة من عمره، وفرصة من فرص حياته تقربه إلى الآخرة، فماذا تراه صانعا بقطعة من عمره؟!
أيفني أياما وليالي من حياته؟! أيتخلص من فرصة قد أوتيها ليعمل فيها ويزرعها ويغتنمها؟! أيتخلص منها حتى تنتهي بلا فائدة؟!
إن ذاك والله هو الغبن الفاحش الواضح البين؛ لأن من أعظم النعم التي يغفل عنها كثير من الناس: نعمة الوقت، ونعمة الفراغ، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ) رواه البخاري.
عباد الله: انظروا إلى من لا شغل له؛ أيامه ولياليه مليئة بالساعات الفارغة ولا يصرف شيئا منها فيما ينفعه في دينه أو دنياه، أو ينفع غيره بأي وجه من سبل النفع والفائدة، كم يضيع من نعم في تقصيره هذا؛ ولذا جاء عن عمرو بن ميمون، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل وهو يعظه: (اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك) رواه النسائي.
أيها المسلمون: إن الفراغ الذي يقدم عليه كثير من الشباب والبنات والرجال والنساء لا بد أن تعد له برامج ومشاريع لتملأه وتستفيد منه في النافع والمفيد، وإلا فسيمضي من أعمارهم.
لذلك حري بكل واحد منا أن ينظر فيما يملأ وقته ويشغل فراغه، ولينظر ما هو البرنامج الذي اختاره، هل ينفعه في دينه، أو دنياه، أو أنه مجرد قضاء للوقت بلا فائدة؟
معاشر المؤمنين: إن الإجازة الدراسية، التي ينتظرها الطلاب والطالبات، وأولياء الامور، هي من صور الفراغ في زماننا، وهي في حقيقتها فرصة عظيمة، قد تكون بابا للخير، وقد تكون بابا للغفلة والضياع، بحسب حال صاحبها.
عباد الله: إن الإجازة ليست خروجا من دائرة التكليف، ولا زمنا مباحا بلا قيد، بل هي جزء من عمر الإنسان، وهو مسؤول عنه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع… وعن عمره فيما أفناه) رواه الترمذي.
فالإجازة زمن يسأل عنه الإنسان: ماذا فعل فيه؟ وكيف قضاه؟ أفي طاعة أم في معصية؟ أفي نفع أم في ضياع؟
أيها المسلمون: وقد شرعت الإجازة لمقاصد معتبرة،
فمن مقاصدها، الراحة وتجديد النشاط: فالنفوس تمل، والبدن يحتاج إلى راحة، وكما جاء في الحديث: (إن لنفسك عليك حقا) رواه الترمذي.
وذلك أن التوازن بين العمل والراحة مطلب شرعي؛ فالإسلام دين الوسطية، فلا إفراط ولا تفريط؛ ولذلك كانت الإجازة لاستعادة النشاط والعودة إلى الجد والاجتهاد: فالإجازة ليست نهاية العمل، بل استراحة تعين على الاستمرار.
ومن مقاصد الإجازة، تقوية الروابط الأسرية: بالجلوس مع الأهل، وزيارة الأقارب.
فإذا استحضرت هذه المقاصد، كانت الإجازة عبادة يؤجر عليها الإنسان.
عباد الله: والإجازة ليست أمرا مهملا مفتوحا بلا انضباط، بل لها ضوابط يجب الالتزام بها، ومن أهمها:
المحافظة على الفرائض: وأعظمها الصلاة، قال تعالى: {إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا} [النساء: 103].
ومن الضوابط، اجتناب المحرمات: من النظر الحرام، وسماع المحرمات، والاختلاط غير المشروع.
ومن الضوابط، حفظ الوقت من الضياع: فالعمر لا يعوض.
ومن ضوابط الإجازة، اختيار الصحبة الصالحة: ففي الحديث: (المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل) رواه أحمد.
ومن الضوابط، الاعتدال في الترفيه: فلا إفراط ولا تفريط.
معاشر المؤمنين: ومن أعظم ما ينبغي أن يحرص عليه في الإجازة: حسن استثمارها، ويكون ذلك بصور عديدة، ومن أهمها:
تقوية العلاقة مع الله: بالمحافظة على الصلاة، وقراءة القرآن، والذكر، ونحوها.
ومن صور استثمار الإجازة، طلب العلم والمعرفة: فهي فرصة لحضور الدروس، أو قراءة الكتب النافعة.
ومما تستثمر به، حفظ شيء من القرآن: ففي الحديث: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه) رواه البخاري.
وكذلك بر الوالدين وصلة الأرحام: قال تعالى: {وبالوالدين إحسانا}.
ومن صور الاستثمار النافع للإجازة، القيام بالأنشطة الاجتماعية والمجتمعية؛ كتعلم المهارات النافعة التي تنفع الإنسان في دنياه وآخرته، وممارسة الرياضة النافعة مع الالتزام بالضوابط الشرعية، والعمل التطوعي، ومساعدة المحتاجين.
عباد الله: وهناك كثير من الأخطاء الشائعة التي يقع فيها كثير من الناس خلال الإجازة:
كالسهر المفرط: مما يؤدي إلى تضييع الصلوات، والواجبات، والانشغال بالأجهزة، وتضييع الساعات في ما لا ينفع، ومشاهدة المحرمات وهي من أخطر ما يفسد القلب، وصحبة السوء التي تجر إلى المعاصي.
ومن الأخطاء، الإسراف في المال، فيما لا نفع فيه ولا حاجة: قال تعالى: {إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين} [الإسراء: 27].
ومن جملة الأخطاء، الغفلة عن ذكر الله، وترك الطاعات.
معاشر المؤمنين: هذه دعوة للشباب، ولكم أنتم أولياء الأمور: أن تدعوا الشباب ومن تعرفون لاغتنام الإجازة في المراكز الصيفية فإن فيها من الأنشطة النافعة الثقافية، والعلمية الشرعية والخطابية والترويحية والمهنية والعلمية وغيرها الكثير الكثير، فجزى الله من دعا إليها كل خير، وجزى الله أساتذة وشبابا ودعاة بذلوا من أوقاتهم مقابل ثواب يرجونه من عند الله، ولو أعطوا من المال ما أعطوا فليس ذاك بثمن تضحياتهم وجهودهم، فلهم بعد الله الشكر الجزيل. ونسأل الله أن يثبتهم على صبرهم على الناشئة، وعلى تلطفهم بأخطائهم، وجلدهم في معاناة تربييتهم وتعليمهم.
وإلى كل معلم ومدرس ومرب : أن يشارك وأن يبذل ما في وسعه لإنجاح هذه المناشط والبرامج التي تحفظ أوقات الشباب وأعمارهم.
أقول ما سمعتم وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله حمدا كثيرا، والصلاة والسلام على رسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
عباد الله: أوصيكم بتقوى الله في السر والعلن، فهي حبل النجاة من المحن والفتن، وخير زاد ليوم العرض العظيم.
أما بعد:
أيها الآباء والأمهات: إن عليكم مسؤولية عظيمة في: متابعة الأبناء، وتوجيههم للخير، وحمايتهم من الفساد، وملء أوقاتهم بالنافع.
عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (كلكم راع ومسؤول عن رعيته، فالإمام راع وهو مسؤول عن رعيته، والرجل في أهله راع وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة في بيت زوجها راعية، وهي مسؤولة عن رعيتها، ... فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته) متفق عليه.
عباد الله: إن الإجازة اختبار من الله، ليرى هل يشكر العبد هذه النعمة أم يكفرها؟ قال تعالى: {لتسألن يومئذ عن النعيم} [التكاثر: 8]؛ فالفراغ نعيم، والوقت نعيم، وسيسأل عنهما العبد.
أيها المسلمون: إليكم هذه الوصايا العملية لاستغلال الإجازة فيما ينفع ويفيد:
اجعل لك برنامجا يوميا، في عمل الدين وعمل الدنيا، ولا تجعل يومك بلا هدف.
خصص وقتا للقرآن، والعبادة، واسع لمرافقة الأصدقاء الصالحين، ومن همته عالية، ومن يحافظ على وقته.
راقب الله في السر والعلن، وتذكر أن كل دقيقة محسوبة.
وختاما عباد الله: إن الإجازة فرصة عظيمة، فمن استغلها في طاعة الله ربح، ومن ضيعها خسر، وإن الأيام تمضي سريعا، والعمر أقصر مما نظن؛ فاجعلوا إجازاتكم طريقا إلى الله، لا سببا في البعد عنه، واغتنموا أوقاتكم قبل أن تندموا.
هذا وصلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة والسلام عليه، بقول ربنا سبحانه: {إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما} [الأحزاب: 56].
اللهم صل وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

المقالات

