بين اختبار الدنيا ونتيجة الآخرة

0 0

الخطبة الأولى

الحمد لله رب العالمين، أحمده سبحانه وأشكره، وأثني عليه الخير كله، هو الذي علم بالقلم، وعلم الإنسان ما لم يعلم، وجعل العلم نورا يهتدي به السائرون، وسببا لرفعة الدرجات في الدنيا والآخرة، أحمده سبحانه على نعمه التي لا تعد ولا تحصى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل الدنيا دار ابتلاء واختبار، والآخرة دار قرار وجزاء، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله، خير من علم الأمة، ورباها على استثمار الأوقات، واغتنام اللحظات، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أيها المسلمون: أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل وطاعته، فهي وصية الله للأولين والآخرين: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ‌حق ‌تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} [آل عمران: 102]، {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ‌ولتنظر ‌نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون} [الحشر: 18]، {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا (٧٠) ‌يصلح ‌لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما} [الأحزاب: 70-71].

أما بعد:

عباد الله: اعلموا أن هذه الحياة التي نعيشها ليست عبثا ولا لهوا، وإنما هي ميدان امتحان عظيم، ينجح فيه من أطاع الله، ويخسر فيه من أعرض عن هداه، قال الله تعالى: {الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور} [الملك: 2].

فهذه الحياة كلها ميدان اختبار، وما يمر بنا من مراحل إنما هي دروس وعبر، وإن من أعظم تلك المحطات التي يعيشها أبناؤنا وبناتنا، نهاية العام الدراسي وانقضاء أيام الاختبارات، تلك الأيام التي اجتهد فيها المجتهدون، وسهر فيها الساهرون، وذاق فيها الطلاب طعم القلق والتعب، رجاء النجاح والفلاح.

أيها المسلمون: لقد طويت صفحة من صفحات العام الدراسي، وانقضت أيام الاختبارات بما حملته من تعب وسهر وقلق وانتظار، وانقسم الناس فيها بين مجتهد يرجو الثمرة، ومفرط يخشى الندامة، وهذه الحال في حقيقتها صورة مصغرة من حال الناس يوم القيامة، يوم تعرض الأعمال، وتظهر النتائج، وتنكشف الحقائق.

وإن في هذه الاختبارات الدراسية عبرا عظيمة لمن تأملها، فإنها تذكرنا بحقيقة الاختبار الأكبر الذي ينتظر كل إنسان، اختبار الآخرة، يوم يقف العبد بين يدي ربه، فيسأل عن عمره فيما أفناه، وعن علمه ماذا عمل به، قال الله تعالى: {فوربك لنسألنهم أجمعين (92) عما كانوا يعملون} [الحجر: 92، 93].

وكما أن الطالب يستعد للاختبار بالمذاكرة والمراجعة، فإن المؤمن يستعد لاختبار الآخرة بالطاعة والعمل الصالح، وكما أن من أهمل دراسته ندم حين ظهور النتائج، فكذلك من أهمل طاعة ربه ندم يوم القيامة، يوم لا ينفع الندم، قال الله تعالى: {يوم لا ينفع مال ولا بنون (88) إلا من أتى الله بقلب سليم} [الشعراء: 88، 89].

إن الطالب حين يدخل قاعة الاختبار، يجلس وحده، لا يغني عنه أحد، ولا يعينه إلا ما حصله من علم، وكذلك العبد يوم القيامة، يقف بين يدي ربه فردا، لا ينفعه إلا عمله، قال الله تعالى: {ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة} [الأنعام: 94].

وكما أن الطالب يفرح حين يرى نجاحه، ويحزن حين يرى تقصيره، فكذلك الناس يوم القيامة ينقسمون فريقين، {فريق في الجنة وفريق في السعير} [الشورى: 7].

عباد الله: إن من أعظم الدروس التي نتعلمها من انتهاء الدراسة، أن لكل بداية نهاية، وأن كل طريق له خاتمة، وأن عمر الإنسان مهما طال فمصيره إلى الزوال، قال الله تعالى: {كل نفس ذائقة الموت} [آل عمران: 185]، فكما انتهى عامك الدراسي، سينتهي عمرك، ثم بعد ذلك تبدأ رحلة البرزخ، ثم البعث والنشور، ثم الحساب والجزاء، وكما انتظرت نتيجتك، ستنتظر جزاءك، فالسعيد من استعد لتلك الرحلة، وأخذ زاده قبل فوات الأوان.

معاشر المؤمنين: ومن العبر أيضا أن النجاح لا ينال بالتمني، ولا يدرك بالكسل، وإنما هو ثمرة الجد والاجتهاد، فمن جد في دراسته نال، ومن قصر ندم، وهذه سنة لا تتغير، قال الله تعالى: {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} [النجم: 39]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز) رواه مسلم.

وكما يحتاج الطالب إلى مراجعة دروسه قبل الاختبار، فإن المؤمن يحتاج إلى مراجعة نفسه قبل أن يحاسب، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزن عليكم"، فالعاقل من لا ينتظر النتيجة، بل يصحح مساره قبل فوات الأوان.

عباد الله: إن نهاية الدراسة ليست مجرد نهاية مرحلة تعليمية، بل هي تذكير بنهاية العمر، وبداية رحلة أعظم، رحلة البرزخ، حيث القبر أول منازل الآخرة، فإن كان خيرا فما بعده خير، وإن كان غير ذلك فالعياذ بالله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (‌القبر ‌أول ‌منازل الآخرة، فإن ينج منه فما بعده أيسر منه، وإن لم ينج منه، فما بعده أشد منه) رواه أحمد.

فيا من فرحت بانتهاء اختبارك، هل أعددت لاختبار قبرك؟ ويا من انتظرت نتيجتك، هل فكرت في نتيجتك عند الله؟ ويا من اجتهدت لنيل شهادة دنيوية، هل اجتهدت لنيل رضا ربك وجنته؟

أيها المسلمون: ومن الدروس العظيمة كذلك، أن الوقت هو رأس مال الإنسان، وأن من ضيع وقته ضيع حياته، فالطالب الذي لم يحسن إدارة وقته يندم، وكذلك الإنسان في عمره، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ) رواه البخاري.

وهذا يدلنا على أهمية تنظيم الوقت، فإن من أحسن إدارة وقته في أيام الاختبارات نال النجاح، ومن ضيعه سيندم.

والوقت أنفس ما عنيت بحفظه   ***     وأراه أسهل ما عليك يضيع

فاحرصوا رحمكم الله على أوقاتكم، فإنها خزائن أعمالكم، وكل يوم يمضي لا يعود.

معاشر المؤمنين: وإذا كانت الاختبارات قد انتهت، فإن الإجازة قد بدأت، وهي نعمة عظيمة، لكنها سلاح ذو حدين، فمن الناس من يجعلها بابا للطاعة والبناء، ومنهم من يجعلها بابا للغفلة والضياع.

وإن من حسن الفقه في دين الله، أن يستثمر المسلم إجازته فيما ينفعه في دينه ودنياه، فيجعل لنفسه برنامجا متوازنا، يقربه من ربه، وينمي مهاراته، ويروح عن نفسه بالمباح، دون إفراط ولا تفريط، ويجعلها ميدانا للطاعة، وفرصة للتطوير، فيقرب فيها من ربه، ويحفظ فيها وقته، ويجمع فيها بين النافع والمباح، فيتعلم علما، أو يقرأ كتابا، أو يحفظ قرآنا، ويحرص على الصلاة في أوقاتها، ويكثر من تلاوة القرآن، ويقبل على طلب العلم، ويصل رحمه، ويبر والديه، ويحسن إلى الناس؛ فإن الإجازة ليست فراغا يهدر، بل نعمة تشكر.

إذا هبت رياحك فاغتنمها   ***       فإن لكل خافقة سكون
ولا تغفل عن الإحسان فيها   ***     فما تدري السكون متى يكون

فيا من انتهت اختباراتك، اعلم أن اختبارك الحقيقي لم ينته بعد، بل هو مستمر ما دمت حيا، فاجعل حياتك كلها طاعة لله، واجعل من نجاحك الدراسي دافعا للنجاح في طاعة ربك، ولا تجعل الإجازة بابا للغفلة والضياع.

أقول ما سمعتم وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 الخطبة الثانية

الحمد لله حمدا كثيرا، والصلاة والسلام على رسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

عباد الله: أوصيكم بتقوى الله في السر والعلن، فهي حبل النجاة من المحن والفتن، وخير زاد ليوم العرض العظيم.

أما بعد:أيها المسلمون: 

من تأمل حال الطلاب في قاعة الاختبار، رأى صورة مصغرة ليوم القيامة، كل منشغل بنفسه، وكل ينتظر نتيجته، ولا ينفع أحد أحدا، قال تعالى: {يوم يفر المرء من أخيه (34) وأمه وأبيه (35) وصاحبته وبنيه (36) لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه} [عبس: 34 - 37]، فكما أنك تحرص على أن تكون من الناجحين في اختبار الدنيا، فاحرص أن تكون من الفائزين في اختبار الآخرة، فالعاقل من يجعل من كل مرحلة في حياته وقفة تأمل ومحاسبة، فينظر فيما قدم، ويصحح ما أخطأ، ويعزم على الأفضل فيما هو آت، فينظر فيما مضى، ويستدرك ما بقي، فإن الأيام تمضي سريعا، والأعمار تطوى طيا، والآخرة خير وأبقى، والموفق من اغتنم عمره قبل فواته.

واعلموا أن الراحة الحقيقية ليست في كثرة النوم ولا في طول اللهو، وإنما هي في طاعة الله، فإن القلب لا يطمئن إلا بذكره، قال الله تعالى: {ألا بذكر الله تطمئن القلوب} [الرعد: 28].

وتذكروا أن الإنسان كما يفرح بنتيجة نجاحه في الدنيا، فإنه سيفرح فرحا أعظم إذا نجا يوم القيامة، قال تعالى: {فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور} [آل عمران: 185]، فذلك هو النجاح الحقيقي، والفوز العظيم.

واعلموا أن مرحلة ما بعد الاختبارات ليست نهاية المطاف، بل هي بداية مرحلة جديدة، تحتاج إلى وعي وإرادة، فاحذروا من الانغماس في اللهو والغفلة، فإنها تسرق الأعمار، وتورث الحسرة يوم القيامة.

هذا وصلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة والسلام عليه، بقول ربنا سبحانه: {إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا ‌صلوا ‌عليه ‌وسلموا تسليما} [الأحزاب: 56].

 

مواد ذات صلة

المقالات

المكتبة