- اسم الكاتب:إسلام ويب
- التصنيف:العبادات الموسمية
الخطبة الأولى
الحمد لله العزيز الحكيم، شرع لعباده ما يصلح دينهم ودنياهم، وأكمل لهم الدين، وأتم عليهم النعمة، وجعل العز في التمسك بشرعه، والذل في مخالفة أمره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة تنجي قائلها يوم الدين، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبد الله ورسوله، المبعوث رحمة للعالمين، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
{يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} [آل عمران: 102]. أما بعد:
عباد الله: من أعظم نعم الله تعالى على هذه الأمة أن أكمل لها دينها، فلم يترك خيرا إلا دلها عليه، ولا شرا إلا حذرها منه، قال سبحانه: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا} [المائدة: 3]. وإذا كان الدين كاملا؛ فإن الزيادة فيه ابتداع، والنقص منه ضلال، والتشبه بأهل الكفر فيما يختصون به انحراف عن سبيل المؤمنين.
ومن القضايا التي انتشرت في كثير من بلاد المسلمين، وتأثر بها بعض الشباب والفتيات، ما يسمى بـ"عيد الحب"، أو "الفالنتاين"، وهو عيد دخيل على المسلمين، أصله وثني نصراني، لا يمت إلى الإسلام بصلة، وقد تسللت مظاهره إلى بعض المجتمعات عبر الإعلام، والأفلام، ومواقع التواصل، والدعايات التجارية، حتى صار بعض الناس يتعامل معه وكأنه أمر هين، مع أن حقيقته تتعلق بالعقيدة والهوية، والولاء والانتماء.
أيها المؤمنون: إن الأعياد في الإسلام من شعائر الدين الظاهرة، ولهذا لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، وكان لأهلها يومان يلعبون فيهما، قال: (إن الله قد أبدلكم بهما خيرا منهما: يوم الأضحى ويوم الفطر) رواه أبو داود؛ فدل الحديث على أن للمسلمين أعيادا مخصوصة شرعها الله، وليس لأحد أن يحدث عيدا من عند نفسه، فضلا عن أن يستورد أعياد الكفار ويعظمها ويشاركهم فيها.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "الأعياد من جملة الشرع والمناهج والمناسك التي قال الله فيها: {لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه} [الحج: 67]". ولهذا كان التشبه بالكفار في أعيادهم من أخطر أنواع التشبه؛ لأنه تعلق بشعائرهم الظاهرة.
عباد الله: الله تعالى نهى المؤمنين عن اتباع سبيل الكافرين، فقال سبحانه: {ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون} [الجاثية: 18]. وقال جل وعلا: {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار} [هود: 113]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (من تشبه بقوم فهو منهم) رواه أبو داود.
وما انتشرت هذه الأعياد الدخيلة إلا بسبب الانبهار بالحضارة الغربية، وضعف الاعتزاز بالدين والهوية، حتى أصبح البعض منا يتشبه بغير المسلمين، ويقتفي آثارهم، ويحتفل بأعيادهم، ويقلدهم في صغير الأمر وكبيره، وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك فقال: (لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه) متفق عليه.
ومما يزيد الأمر خطورة أن هذا العيد لا يقف عند مجرد لون أحمر أو وردة حمراء، بل يرتبط في كثير من الأحيان بنشر العلاقات المحرمة، وإثارة الشهوات، وكسر حاجز الحياء، والتعلق بغير ما أحل الله، حتى صار موسما للتواصل المحرم، والرسائل الآثمة، والطقوس المشبوهة، وربما جر ذلك إلى الفواحش والعياذ بالله.
وقد قال الله تعالى: {ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا} [الإسراء: 32]. فتأملوا عباد الله، كيف نهى الله عن مجرد القرب من الزنا، ليشمل ذلك كل طريق يفضي إليه من نظرة محرمة، أو خلوة، أو تبرج، أو رسائل غرامية، أو أعياد تدعو إلى الانفلات الأخلاقي.
وقد كان سلفنا شديدي الغيرة على دينهم، بعيدين عن تقليد الكفار، يعلمون أن العزة في التمسك بالإسلام، لا في الذوبان في ثقافات الأمم. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "إنا قوم أعزنا الله بالإسلام، فمهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله".
أيها المسلمون: الواجب على المسلم أن يفقه حكم الله في هذه المناسبات، وأن يعلم أن الاحتفال بعيد الحب لا يجوز؛ لأنه من أعياد غير المسلمين، ولما يشتمل عليه من المنكرات والمخالفات الشرعية. وقد أفتى العلماء المعاصرون بتحريم الاحتفال به، وتحريم المشاركة فيه، وبيع ما يعين عليه إذا كان القصد منه تعظيم هذا العيد ونشره بين المسلمين.
عباد الله: الحب في الإسلام ليس ممنوعا بإطلاق، بل الإسلام دين المحبة الحقيقية؛ محبة الله ورسوله، ومحبة المؤمنين، ومحبة الخير والطاعة، ومحبة الزوجة والأولاد محبة منضبطة بشرع الله. قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله...) متفق عليه.
وفي الإسلام أعظم صور الحب النقي الطاهر؛ فحب الزوج لزوجته عبادة إذا التزم حدود الله، قال صلى الله عليه وسلم: (وفي بضع أحدكم صدقة) رواه مسلم. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحب عائشة رضي الله عنها حبا ظاهرا، فلما سئل: أي الناس أحب إليك؟ قال: (عائشة) متفق عليه.
لكن الإسلام لا يحول الحب إلى شعارات تجارية موسمية، ولا إلى تقليد أعمى لأمم الكفر، ولا إلى مناسبة تختلط فيها العواطف المحرمة بالشهوات الآثمة، بل ينظم المشاعر بضوابط الشرع، ويحفظ القلوب والأعراض.
معاشر المؤمنين: من أخطر آثار هذه المناسبات أنها تشوه عقيدة الولاء والبراء في نفوس المسلمين، فتجعل المسلم معجبا بالكافر، معظما لشعائره، مقتفيا لآثاره، والله تعالى يقول: {لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله} [المجادلة: 22].
وليس معنى ذلك ظلم غير المسلمين أو الاعتداء عليهم، فالإسلام دين العدل والإحسان، لكن المقصود ألا نشاركهم في شعائرهم وأعيادهم الدينية والثقافية التي تخالف هدي الإسلام. قال الله تعالى: {لكم دينكم ولي دين} [الكافرون: 6].
وقد كان الصحابة رضي الله عنهم يحرصون على مخالفة أهل الكتاب والمشركين في عباداتهم وعاداتهم الخاصة. قال النبي صلى الله عليه وسلم: (خالفوا المشركين) متفق عليه؛ وكان هذا أصلا عظيما في تميز الأمة المسلمة وحفظ شخصيتها.
أيها المؤمنون: إن أعداء الإسلام لا يفرحون بشيء مثل فرحهم بتخلي المسلمين عن هويتهم، وانسلاخ الشباب من قيمهم، حتى يصبح المسلم نسخة مكررة من غيره، لا يعتز بدينه، ولا يفرح بشعائره، ولا يعرف معنى الانتماء للإسلام.
فيا أيها الآباء والأمهات، اتقوا الله في أبنائكم وبناتكم وأنفسكم، وراقبوا ما يدخل عليهم عبر الهواتف والشاشات، واغرسوا في نفوسهم الاعتزاز بالإسلام، وعلموهم أن المسلم لا يكون إمعة، يقلد كل ما يراه، بل يزن الأمور بميزان الشرع.
ربوا بناتكتم على الحياء والعفة والطهارة، واحذروا من التساهل في الرسائل والعلاقات المحرمة، فمعظم النار تبدأ من مستصغر الشرر.
أيها الشباب، إن العفة شرف، والطاعة رفعة، ومن ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه، فلا تغرنكم زخارف الدعاية، ولا كلمات الحب المزيفة، فإن أكثرها سراب، يعقبه الندم والحسرة.
عباد الله: إن من نعم الله علينا أن جعل لنا عيدين عظيمين، عيد الفطر وعيد الأضحى، وهما موسمان للطاعة والفرح المشروع وصلة الأرحام والتكافل والمحبة الصادقة، فلا حاجة للمسلمين بأعياد مستوردة تقوم على مخالفات شرعية وأفكار دخيلة.
فاتقوا الله عباد الله، وتمسكوا بدينكم، وعضوا عليه بالنواجذ، واحذروا من الفتن ما ظهر منها وما بطن، واعلموا أن السعادة الحقيقية في طاعة الله، وأن الخير كل الخير في اتباع هدي النبي صلى الله عليه وسلم.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب؛ فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، أحمده سبحانه وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، إمام المتقين، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: عباد الله: اتقوا الله حق التقوى، وراقبوه في السر والنجوى، واعلموا أن من أعظم أسباب الثبات على الدين لزوم الكتاب والسنة، وتعظيم شعائر الإسلام، والحذر من الفتن والمحدثات.
معاشر المؤمنين: لقد سمعتم ما يتعلق بخطورة الاحتفال بما يسمى بعيد الحب، وأنه عيد دخيل لا يجوز للمسلمين تعظيمه ولا المشاركة فيه، لما فيه من التشبه بالكفار، وخطر على العقيدة والأخلاق، والواجب على المسلم أن يكون معتزا بدينه، مستقيما على أمر ربه، يعلم أن الخير كل الخير في اتباع هدي النبي صلى الله عليه وسلم، وأن الشر كل الشر في مخالفة أمره.
واعلموا رحمكم الله أن صلاح المجتمعات يبدأ بصلاح القلوب، فإذا امتلأت القلوب بمحبة الله ورسوله، عظمت شعائر الدين، وكرهت المعصية، واستقامت الجوارح على الطاعة. قال تعالى: {والذين آمنوا أشد حبا لله} [البقرة: 165].
أيها المسلمون: اغرسوا في بيوتكم معاني المحبة الصادقة؛ محبة الوالدين، وصلة الأرحام، والإحسان إلى الجيران، ورحمة الفقراء والمساكين، فهذه هي المحبة التي جاء بها الإسلام، لا المحبة الزائفة التي تروجها الوسائط والدعايات.
وأكثروا من الدعاء لأبنائكم وبناتكم بالهداية والثبات، فإن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء. وكان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: (يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك) رواه الترمذي.
وصلوا وسلموا على من أمركم ربكم بالصلاة والسلام عليه فقال: {إن الله وملائكته يصلون على النبي ۚ يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما} [الأحزاب: 56].

المقالات

