المولودُ أحكامٌ وآدابٌ

0 0

الخطبة الأولى

الحمد لله الكريم المنان، وهب الذرية لعباده رحمة وامتحانا، وجعل الأبناء زينة الحياة الدنيا، وأمر بحسن تربيتهم وتأديبهم، أحمده سبحانه وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل الأولاد نعمة تستوجب الشكر، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله، خير من علم الأمة آداب الحياة، وبين لهم أحكام المواليد والحقوق، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله الطيبين، وصحابته الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

{يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} [آل عمران: 102].

{يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء ۚ واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام ۚ إن الله كان عليكم رقيبا} [النساء: 1].

أما بعد:

عباد الله: إن من أجل نعم الله تعالى على عباده نعمة الأولاد والذرية، فهم قرة الأعين، وزينة الحياة، وامتداد الذكر والعمل، قال الله سبحانه: {المال والبنون زينة الحياة الدنيا} [الكهف: 46]. وقد كان الأنبياء والصالحون يسألون الله الذرية الصالحة، فهذا زكريا عليه السلام دعا ربه فقال: {رب هب لي من لدنك ذرية طيبة ۖ إنك سميع الدعاء} [آل عمران: 38]. وقال عباد الرحمن: {ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين} [الفرقان: 74].

وإذا رزق الله العبد مولودا؛ فإن الشريعة الغراء جاءت بأحكام وآداب عظيمة تتعلق بهذا المولود، تحفظ له دينه وكرامته، وتغرس في الأسرة معاني الشكر لله تعالى، والقيام بحقوق الأبناء.

ومن أعظم تلك الحقوق أن يفرح الوالدان بنعمة الله، وأن يحمدا الله تعالى على ما وهبهما، سواء كان المولود ذكرا أم أنثى، فإن البنات نعمة عظيمة ورحمة جليلة، وقد ذم الله أهل الجاهلية الذين يتشاءمون من البنات فقال سبحانه: {وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم} [النحل: 58].

أما الإسلام فقد رفع شأن البنات، وجعل الإحسان إليهن سببا لدخول الجنة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (من ابتلي من هذه البنات بشيء فأحسن إليهن كن له سترا من النار) متفق عليه.

عباد الله: ومن الأحكام المشروعة عند ولادة المولود: الأذان في أذنه اليمنى؛ ليكون أول ما يطرق سمعه ذكر الله تعالى وتوحيده، وقد ورد في ذلك حديث أبي رافع رضي الله عنه قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن في أذن الحسن بن علي حين ولدته فاطمة) رواه أبو داود.

ومن السنن كذلك التحنيك، وهو أن يمضغ التمر ويدلك به حنك الصبي، تأسيا بالنبي صلى الله عليه وسلم، فقد كان الصحابة يأتون بأولادهم إليه فيحنكهم ويدعو لهم بالبركة، كما في حديث أبي موسى رضي الله عنه، قال: (ولد لي غلام فأتيت به النبي صلى الله عليه وسلم فسماه إبراهيم وحنكه بتمرة) متفق عليه.

ومن أعظم حقوق المولود على والديه: اختيار الاسم الحسن له؛ فإن الاسم يلازم الإنسان طوال عمره، وله أثر على النفس والشخصية، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم؛ فأحسنوا أسماءكم) رواه أبو داود.

أيها المسلمون: لقد اعتنى الإسلام بالأسماء عناية عظيمة، فندب إلى الأسماء الحسنة، وأحب الأسماء إلى الله: عبد الله، وعبد الرحمن، كما قال صلى الله عليه وسلم: (إن أحب أسمائكم إلى الله عبد الله وعبد الرحمن) رواه مسلم.

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يغير الأسماء القبيحة إلى أسماء حسنة؛ لأن الإسلام يحب المعاني الطيبة والألفاظ الحسنة.

فينبغي للمسلمين أن يختاروا لأولادهم أسماء شرعية جميلة، بعيدة عن الأسماء المحرمة أو القبيحة أو الخاصة بالكفار، أو التي تحمل معاني مذمومة. ومن الخطأ أن ينشغل بعض الناس بتقليد المشاهير أو الأسماء الأعجمية التي لا تعرف معانيها، وربما اشتملت على معان فاسدة، أو شعارات لأهل الكفر.

ولقد قال بعض السلف: "أول بر الوالد بولده أن يحسن اسمه". فكم من إنسان تأذى بسبب اسم قبيح، وكم من إنسان سره اسمه الحسن وأعانه على القبول بين الناس.

أيها المؤمنون: ومن الأحكام العظيمة المتعلقة بالمولود: العقيقة، وهي من السنن المؤكدة التي سنها النبي صلى الله عليه وسلم شكرا لله تعالى على نعمة الولد، وإظهارا للفرح المشروع، وإحياء لمعاني التكافل والإحسان. وقد قال صلى الله عليه وسلم: (كل غلام مرتهن بعقيقته، تذبح عنه يوم سابعه، ويسمى، ويحلق رأسه) رواه الترمذي.

والسنة أن يعق عن الغلام شاتان متكافئتان، وعن الجارية شاة واحدة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (عن الغلام شاتان مكافئتان، وعن الجارية شاة) رواه الترمذي.

ومعنى العقيقة عباد الله أنها عبادة وقربة لله تعالى، وليست مجرد عادة اجتماعية، أو مظهرا من مظاهر التفاخر؛ ولذلك ينبغي أن تراعى فيها النية الصالحة، وأن يقصد بها شكر الله وإطعام الطعام، وإدخال السرور على الأقارب والفقراء والمساكين.

ومن السنن كذلك حلق رأس المولود في اليوم السابع، والتصدق بوزن شعره فضة، كما ورد عن بعض الصحابة رضي الله عنهم، وفي ذلك معان جميلة من الطهارة والرحمة والإحسان.

عباد الله: وإن مما يؤسف له أن بعض الناس يجهلون هذه الأحكام، أو يتهاونون بها، وربما أنفقوا الأموال الكثيرة على الحفلات والمظاهر، وأضاعوا السنن والآداب الشرعية. فترى بعض الأسر تحتفل احتفالات مليئة بالإسراف والتبذير، وربما اختلط الرجال بالنساء، أو صاحبتها الموسيقى والمنكرات، وكل ذلك مخالف لهدي الإسلام. قال الله تعالى: {ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين} [الأنعام: 141]. فالمطلوب من المسلم أن يفرح بنعمة الله فرحا مشروعا منضبطا بالشرع، بعيدا عن الرياء والمباهاة والتكلف.

أيها المسلمون: إن المولود أمانة في عنق والديه، وليس المقصود مجرد إطعامه وكسوته، بل أعظم الحقوق أن يربى على الإيمان والطاعة والخلق الحسن. قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا} [التحريم: 6]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته) متفق عليه.

وما أحسن قول القائل:
وينشأ ناشئ الفتيان منا   ***   على ما كان عوده أبوه
وما دان الفتى بحجى ولكن   ***   يعلمه التدين أقربوه

فيا أيها الآباء، اتقوا الله في أولادكم، وربوهم على الصلاة والقرآن والصدق، والأمانة والحياء، وأبعدوهم عن رفقاء السوء، وعن الشاشات الفاسدة، والمقاطع المنحرفة، والأخلاق السيئة.

ويا أيتها الأمهات، أنتن مدارس الأجيال، فاغرسن في قلوب أبنائكن محبة الله ورسوله، وعلموهم الآداب والأذكار والقرآن منذ الصغر.

وقد أحسن القائل:
الأم مدرسة إذا أعددتها   ***   أعددت شعبا طيب الأعراق

معاشر المؤمنين: إن التربية الصالحة من أعظم القربات، وثمرة ذلك لا تظهر في الدنيا فقط، بل يمتد أثرها بعد الموت، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث... أو ولد صالح يدعو له) رواه مسلم.

فاحرصوا رحمكم الله على صناعة الجيل الصالح، فإن الأمة لا تقوم إلا بأبنائها، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.

معاشر المؤمنين: إن من نعم الله أن جعل الإسلام شاملا لكل شؤون الحياة، فما ترك أمرا ينفع الناس إلا دلهم عليه، ومن ذلك أحكام المواليد والذرية؛ ليعيش المسلم حياته كلها على نور من الله وهدي من رسوله صلى الله عليه وسلم.

فاتقوا الله عباد الله، وتمسكوا بسنة نبيكم صلى الله عليه وسلم، وأحيوا السنن في بيوتكم، وربوا أبناءكم على الإيمان والتقوى، فإنهم ذخركم في الدنيا والآخرة.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب؛ فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.


الخطبة الثانية

الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك الحق المبين، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله، إمام المتقين، وقائد الغر المحجلين، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

عباد الله: اتقوا الله واعلموا أن الأولاد نعمة ومسؤولية، ومنحة واختبار، فمن شكر الله فيها، وقام بحقها، كانت له سعادة في الدنيا وذخرا في الآخرة، ومن ضيعها ندم يوم لا ينفع الندم.

أيها المسلمون: لقد اشتملت شريعة الإسلام على أعظم الآداب والأحكام المتعلقة بالمولود؛ من البشارة به، وحسن تسميته، والأذان في أذنه، والعقيقة عنه، والدعاء له، ثم تربيته على الإيمان والطاعة والخلق الكريم. وكل ذلك يدل على عظمة هذا الدين وكماله، وأنه دين الرحمة والرعاية والإصلاح.

معاشر المؤمنين: وإن من أعظم ما يحتاجه أبناؤنا اليوم القدوة الصالحة، والكلمة الطيبة، والبيت الإيماني الذي يربى فيه الطفل على القرآن والسنة، ويغرس في قلبه حب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. فاحذروا من التفريط في التربية، فإن الانشغال بالدنيا، وترك الأبناء للشاشات ووسائل الفساد، سبب لانحراف كثير من الناشئة.

وأكثروا من الدعاء لأولادكم بالصلاح والهداية، فقد كان الأنبياء يدعون لذرياتهم، قال إبراهيم عليه السلام: {رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي} [إبراهيم: 40].

ثم صلوا وسلموا على أمركم ربكم بالصلاة والسلام عليه فقال سبحانه: {إن الله وملائكته يصلون على النبي ۚ يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما} [الأحزاب: 56].

 

مواد ذات صلة

المقالات

المكتبة