- اسم الكاتب:إسلام ويب
- التصنيف:العبادات الموسمية
الخطبة الأولى
الحمد لله العظيم الجليل، العزيز القدير، الذي خلق الشمس والقمر بحكمة وتقدير، وجعلهما آيتين من آياته الباهرات، ودلائل قدرته البينات، أحمده سبحانه وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبد الله ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أيها المسلمون: أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل وطاعته، فهي وصية الله للأولين والآخرين: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} [آل عمران: 102]. {يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء ۚ واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام ۚ إن الله كان عليكم رقيبا} [النساء: 1]. {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا (٧٠) يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما} [الأحزاب: 70-71].
أما بعد:
عباد الله: إن من أعظم ما يرسخ الإيمان في القلوب النظر في آيات الله الكونية التي بثها في هذا الكون الفسيح، فكل ما حولنا يدل على عظمة الخالق سبحانه وكمال قدرته وحكمته، ومن تلك الآيات العظيمة: الكسوف والخسوف، اللذان يجريان بأمر الله تعالى وتقديره.
وقد كان الناس في الجاهلية يربطون بين هذه الظواهر وبين حياة العظماء وموتهم، حتى وقع كسوف الشمس يوم مات إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم، فقال الناس: كسفت الشمس لموته، فصحح النبي صلى الله عليه وسلم هذا الاعتقاد الفاسد، وقرر أصلا عظيما من أصول العقيدة، عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: خسفت الشمس في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس، ... ثم انصرف، وقد انجلت الشمس، فخطب الناس، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله، وكبروا وصلوا وتصدقوا) متفق عليه.
وفي رواية: (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا يخسفان لموت أحد ولكن الله تعالى يخوف بهما عباده)؛ فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن هذه الآيات ليست مرتبطة بأحوال البشر، وإنما هي آيات يخوف الله بها عباده ليعودوا إليه ويتوبوا من ذنوبهم. قال تعالى: {وما نرسل بالآيات إلا تخويفا} [الإسراء: 59].
ومن تأمل حال النبي صلى الله عليه وسلم عند الكسوف أدرك عظم هذه الشعيرة؛ فقد فزع إلى الصلاة، وقام قياما طويلا، وركع ركوعا طويلا، وسجد سجودا طويلا، وأمر الناس بالذكر والدعاء والاستغفار والصدقة. مع أنه أعلم الخلق بالله وأشدهم يقينا. وهذا يدل على أن المؤمن كلما ازداد معرفة بالله ازداد خوفا منه وتعظيما له.
أيها المسلمون: لقد شرع الله تعالى عند الكسوف والخسوف عبادات عظيمة تجمع بين تعظيم الله والخوف منه والافتقار إليه؛ فمن ذلك صلاة الكسوف، وهي سنة مؤكدة عند جمهور العلماء، تصلى جماعة في المساجد، وينادى لها: الصلاة جامعة.
وصفة الصلاة أن يصلي الإمام بالناس ركعتين، في كل ركعة قيامان وقراءتان وركوعان وسجودان، كما ثبت ذلك في الأحاديث الصحيحة. عن عائشة قالت: "خسفت الشمس في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي. فأطال القيام جدا، ثم ركع فأطال الركوع جدا، ثم رفع رأسه فأطال القيام جدا. وهو دون القيام الأول. ثم ركع فأطال الركوع جدا. وهو دون الركوع الأول. ثم سجد، ثم قام فأطال القيام. وهو دون القيام الأول. ثم ركع فأطال الركوع. وهو دون الركوع الأول. ثم رفع رأسه، فقام فأطال القيام. وهو دون القيام الأول، ثم ركع فأطال الركوع، وهو دون الركوع الأول، ثم سجد، ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد تجلت الشمس) متفق عليه.
ومن السنن المشروعة عند حدوث الكسوف أو الخسوف: الإكثار من الذكر والدعاء والاستغفار والتوبة والصدقة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكبروا وصلوا وتصدقوا) متفق عليه.
ومن الأحكام المهمة المتعلقة بهذه الشعيرة أن المسلم لا ينشغل وقت الكسوف والخسوف بالتصوير أو المتابعة المجردة أو تبادل الأخبار، بل يجعل هذا الحدث سببا للإنابة إلى الله عز وجل، فإن المقصود الأعظم ليس مجرد معرفة الأسباب الفلكية، وإنما الاتعاظ بعظمة المدبر سبحانه. فمعرفة السبب الكوني لا تنافي كونها آية شرعية يخوف الله بها عباده.
وقد قرر العلماء أن العلم بحسابات الفلك لا يزيل مشروعية الخوف والخشية؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم علم أن الشمس ستعود إلى حالها ومع ذلك صلى وفزع إلى ربه. فالعبد يجمع بين العلم الكوني والإيمان الشرعي، ويوقن أن الذي أجرى هذه السنن الكونية هو الله رب العالمين.
وقد كان السلف رحمهم الله يتأثرون بهذه الآيات تأثرا عظيما؛ لأنهم يستحضرون يوم القيامة وأهواله، حين تكور الشمس وينخسف القمر وتتبدل السماوات والأرض. قال تعالى: {إذا الشمس كورت} [التكوير: 1]، وقال سبحانه: {وخسف القمر (8) وجمع الشمس والقمر} [القيامة: 8، 9].
معاشر المؤمنين: إن للكسوف والخسوف دروسا تربوية وإيمانية عظيمة يحتاجها المسلم في حياته:
فمن أعظم هذه الدروس تربية القلب على تعظيم الله تعالى، فهذه الأجرام العظيمة التي ينتفع بها الخلق جميعا تجري بأمر الله وتحت سلطانه، لا تملك لنفسها نفعا ولا ضرا، فكيف يلتفت القلب إلى غير الله أو يتعلق بسواه؟
ومن دروسها تذكير العباد بسرعة تغير الأحوال؛ فالشمس التي تملأ الدنيا نورا قد يعتريها الكسوف، والقمر الذي يضيء الليل قد يعتريه الخسوف، وكذلك أحوال الناس من صحة ومرض، وغنى وفقر، وقوة وضعف، فلا دوام إلا لله سبحانه.
ومن دروسها استحضار أهوال يوم القيامة؛ فإن الكسوف والخسوف يذكران العبد بالمشاهد العظيمة التي أخبر الله عنها في كتابه، فيدفعه ذلك إلى الاستعداد للقاء الله بالتوبة والعمل الصالح. قال الحسن البصري رحمه الله: "إن المؤمن جمع إحسانا وخشية، والمنافق جمع إساءة وأمنا".
ومن دروسها أن المؤمن يفزع إلى الطاعة عند نزول الآيات والمحن، لا إلى الغفلة واللهو. فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يفزع إلى الحديث عن الظاهرة أو تفسيرها للناس أولا، وإنما فزع إلى الصلاة والدعاء، فكان هذا أعظم درس عملي للأمة.
ومن دروسها أن الكون كله خاضع لله عز وجل، وأن الإنسان مهما بلغ من العلم والتقدم فإنه يبقى عبدا ضعيفا أمام قدرة الله.
فيا من أبصر هذه الآيات، ويا من شاهد تبدل النور واحتجاب الضوء، تذكر أن لك يوما ستنتقل فيه من هذه الدنيا إلى الآخرة، وأن السعيد من اتعظ بآيات الله قبل أن يأتيه الأجل، قال تعالى: {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق} [فصلت: 53].
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
عباد الله: اتقوا الله حق التقوى، واستمسكوا من الإسلام بالعروة الوثقى، واعلموا أن تقوى الله خير زاد ليوم المعاد.
أما بعد:
أيها المسلمون: لقد تبين لنا أن الكسوف والخسوف من الآيات العظيمة التي يرسلها الله تعالى تخويفا لعباده، وأن المشروع عند وقوعهما المبادرة إلى الصلاة والذكر والدعاء والاستغفار والصدقة والتوبة، وأن المسلم يتعامل مع هذه الظواهر بعين الإيمان كما يتعامل معها بعين العلم، فلا يقع في الخرافات والأوهام، ولا يغفل عن المقاصد الشرعية والتربوية التي أرشد إليها النبي صلى الله عليه وسلم.
وإن من أعظم ما ينبغي أن نخرج به من هذه الآيات تجديد التوبة إلى الله، ومحاسبة النفس، والإقبال على الطاعات، والإكثار من ذكر الله تعالى، فإن القلوب إذا قست أحيتها المواعظ، وإذا غفلت أيقظتها الآيات. وما أكثر ما نرى من دلائل قدرة الله في الكون ثم تمر بنا دون اعتبار.
فيا عباد الله: استجيبوا لنداء ربكم، وأكثروا من الطاعات، وربوا أبناءكم على تعظيم شعائر الله، واغرسوا في نفوسهم الإيمان بآيات الله الكونية والشرعية، فإن في ذلك حماية للعقيدة، وتعميقا للإيمان، وربطا للقلوب بخالقها سبحانه.
وصلوا وسلموا على نبيكم كما أمركم ربكم فقال: {إن الله وملائكته يصلون على النبي ۚ يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما} [الأحزاب: 56].

المقالات

