- اسم الكاتب:إسلام ويب
- التصنيف:العبادات الموسمية
الخطبة الأولى
الحمد لله مقلب الليل والنهار، ومصرف الشهور والأعوام، ومدبر الكون بحكمته البالغة، أحمده سبحانه على آلائه التي لا تحصى، وأشكره على نعمه التي لا تستقصى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل في تعاقب الأزمنة والفصول آيات لأولي الأبصار، وعبرا لأهل الاعتبار، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبد الله ورسوله، خير من تدبر آيات ربه، واتعظ بمواعظه، ودعا الخلق إلى التفكر في ملكوت السماوات والأرض، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه، ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.
أيها المسلمون: أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل وطاعته، فهي وصية الله للأولين والآخرين: قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} [آل عمران: 102].
وقال سبحانه: {يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا} [النساء: 1].
وقال سبحانه: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا (٧٠) يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما} [الأحزاب: 70-71].
أما بعد:
عباد الله: إن من أعظم ما يدعو إليه القرآن الكريم التفكر في آيات الله الكونية، والنظر في سننه الجارية في خلقه؛ لأن في ذلك حياة للقلوب، وزيادة للإيمان، واستيقاظا من الغفلة.
وإن من الآيات التي يشاهدها الناس كل عام، ولا يكاد يلتفت كثير منهم إلى ما فيها من العبر، تعاقب فصول السنة؛ فهذا ربيع يزهو بأزهاره، ويبعث الحياة في الأرض بعد موتها، ثم يعقبه صيف بحرارته وشدته، ثم خريف تتساقط فيه الأوراق وتذبل الأغصان، ثم شتاء يلف الأرض بسكونه وبرودته، ثم تعود الدورة من جديد بأمر الله وتقديره. قال سبحانه: {إن في اختلاف الليل والنهار وما خلق الله في السماوات والأرض لآيات لقوم يتقون} [يونس: 6]، وقال جل شأنه: {وتلك الأيام نداولها بين الناس} [آل عمران: 140].
وإذا كان الله قد جعل الفصول لا تثبت على حال، فإن في ذلك تذكيرا للإنسان بأن حياته كذلك لا تستقر على وضع واحد؛ فكما ينتقل الكون من فصل إلى فصل، ينتقل الإنسان من مرحلة إلى مرحلة، ومن حال إلى حال، ومن قوة إلى ضعف، ومن صحة إلى مرض، ومن شباب إلى شيخوخة، حتى يلقى ربه. قال تعالى: {الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة} [الروم: 54].
فما أشبه الطفولة بربيع العمر؛ حيث البراءة والنماء والبدايات، وما أشبه الشباب بصيف الحياة؛ حيث القوة والنشاط والطموح، وما أشبه الكهولة بخريف العمر؛ حيث تبدأ آثار السنين بالظهور، وما أشبه الشيخوخة بشتائه؛ حيث الضعف والانحناء وانتظار الرحيل. ومن تأمل هذه الحقيقة زهد في الغرور بشبابه، أو الاغترار بقوته، أو الركون إلى دنياه؛ لأنه يعلم أن ما هو فيه اليوم سيؤول إلى غيره غدا.
ولذلك كان العقلاء إذا رأوا تقلب الفصول تذكروا تقلب أعمارهم، وإذا رأوا ذبول الأوراق تذكروا ذبول الأجساد، وإذا رأوا الأرض تحيا بعد موتها تذكروا البعث والنشور. قال تعالى: {ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت ۚ إن الذي أحياها لمحيي الموتى} [فصلت: 39].
وقد أحسن القائل:
نعيـب زماننا والعيب فينا *** وما لزماننا عيب سوانا
ونهجو ذا الزمان بغير ذنب *** ولو نطق الزمان لنا هجانا
فليتأمل المؤمن هذه الآيات، وليعلم أن الله لم يجر هذه السنن عبثا، وإنما ليعتبر المعتبرون، ويتذكر الغافلون، ويستعد الراحلون للقاء رب العالمين.
أيها المسلمون: ومن أعظم الدروس التي يعلمنا إياها تعاقب الفصول أن الدنيا كلها قائمة على التغير والتقلب، فلا سرور يدوم، ولا حزن يبقى، ولا رخاء يستمر، ولا شدة تستقر. فكم من غني أصبح فقيرا، وكم من فقير أغناه الله من فضله، وكم من صحيح أمسى مريضا، وكم من مريض من الله عليه بالعافية، وكم من قوي أصبح ضعيفا، وكم من ضعيف رفعه الله وأعزه. ولهذا كان من أسماء الدنيا أنها دار ممر لا دار مقر، ودار تحول لا دار ثبات.
وقد قرر القرآن هذه الحقيقة في مواضع كثيرة، فقال سبحانه: {وتلك الأيام نداولها بين الناس} [آل عمران: 140]، وقال جل شأنه: {كل من عليها فان (26) ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام} [الرحمن: 26، 27]. فليس في هذه الدنيا شيء ثابت إلا أن كل شيء فيها متغير، وليس فيها شيء دائم إلا أن كل شيء فيها إلى زوال.
ومن هنا كان المؤمن إذا أصابته نعمة لم يطغ ولم يتكبر؛ لأنه يعلم أنها قد تزول، وإذا أصابته مصيبة لم ييأس ولم يقنط؛ لأنه يعلم أن الفرج قريب، وأن الشدة يعقبها اليسر، وأن بعد العسر يسرا. قال تعالى: {فإن مع العسر يسرا (5) إن مع العسر يسرا} [الشرح: 5، 6]. عن صهيب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له) رواه مسلم.
وكان علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول: "إن الدنيا دار ممر، والآخرة دار مقر، فخذوا من ممركم لمقركم". وكان الحسن البصري رحمه الله يقول: "ما الدنيا كلها من أولها إلى آخرها إلا كرجل نام نومة ثم استيقظ".
فكم من أناس ملأوا الدنيا جاها وسلطانا، ثم صاروا أخبارا بعد أن كانوا أصحاب أخبار، وكم من أقوام ظنوا أن ما بأيديهم دائم، فإذا بالموت يقطع الآمال، ويفرق الأحباب، وينقل العباد من دار العمل إلى دار الجزاء.
وقد صدق الشاعر إذ يقول:
هي الدنيا تقول بملء فيها *** حذار حذار من بطشي وفتكي
فلا يغرركم مني ابتسام *** فقولي مضحك والفعل مبكي
فيا أيها المسلمون: إذا كانت الدنيا بهذه الصفة، تتقلب بأهلها كما تتقلب الفصول، فأين العاقل الذي يتعظ؟ وأين المتفكر الذي يستعد؟ وأين من يجعل من هذه التحولات سلما يرقى به إلى رضوان الله وجنته؟
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي جعل الأيام دولا، والأعوام مراحل، والأعمار محدودة بآجال لا تتقدم ولا تتأخر، أحمده سبحانه وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله، المذكر بالله، والدال على سبيل النجاة، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
عباد الله: اتقوا الله فإن تقوى الله خير زاد ليوم المعاد، ومن اتقى الله جعل له من أمره يسرا، وأعانه على الثبات حتى يلقاه.
أما بعد:
أيها المسلمون: لقد رأينا كيف أن الله سبحانه يقلب الليل والنهار، ويصرف الفصول والأعوام، ويقلب أحوال الناس بين الصحة والمرض، والغنى والفقر، والقوة والضعف، والسعة والضيق، ليعلم العباد أن هذه الدنيا ليست دار استقرار، وإنما هي معبر إلى دار القرار. ولو دامت الدنيا لأحد ما وصلت إلينا، ولو بقي فيها أحد قبلنا لما وارى الثرى آباءنا وأجدادنا. قال تعالى: {اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور} [الحديد: 20].
فمن الناس من يغتر بشبابه، فإذا به يشيب، ومنهم من يغتر بصحته، فإذا به يمرض، ومنهم من يغتر بماله، فإذا به يفتقر، ومنهم من يغتر بمنصبه، فإذا به يزول عنه، فلا يبقى إلا العمل الصالح. ولهذا قال رسول الله ﷺ: (يتبع الميت ثلاثة: أهله، وماله، وعمله، فيرجع اثنان ويبقى واحد، يرجع أهله وماله، ويبقى عمله) متفق عليه، عن أنس بن مالك رضي الله عنه.
فيا من أقبل عليك ربيع العمر، لا تغتر بقوتك؛ فإنها إلى ضعف. ويا من بلغت خريف العمر، فأكثر من التوبة والاستغفار. ويا من أدركك شتاء الحياة، فاحمد الله على ما بقي، وأكثر من العمل الصالح، فإن خير الناس من طال عمره وحسن عمله، كما قال النبي ﷺ: (خير الناس من طال عمره وحسن عمله) رواه الترمذي، عن عبد الله بن بسر رضي الله عنه.
معاشر المؤمنين: ومن أعظم العبر التي يعلمنا إياها تعاقب الفصول أن دوام الحال من المحال، وأن الفرج يعقب الشدة، وأن بعد العسر يسرا، وأن بعد الجدب غيثا، وبعد الشتاء ربيعا، فلا يقنطن مؤمن من رحمة الله، ولا ييأس من روح الله، ولا يحمله البلاء على السخط، فإن رب الشتاء هو رب الربيع، ورب الشدة هو رب الرخاء.
قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: "إن الليل والنهار يعملان فيك، فاعمل فيهما." وقال بعض السلف: "كل يوم ينشق فجره ينادي: يا ابن آدم، أنا خلق جديد، وعلى عملك شهيد".
فاجعلوا من مرور الأيام باعثا على محاسبة النفس، ومن تعاقب الفصول سببا لتجديد التوبة، ومن تغير الأحوال دافعا للجوء إلى الله، فإن من عرف حقيقة الدنيا هانت عليه مصائبها، ومن عرف حقيقة الآخرة عظمت رغبته فيها.
هذا وصلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة والسلام عليه، بقول ربنا سبحانه: {إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما} [الأحزاب: 56].

المقالات

