وفاةُ النبي صلى الله عليه وسلم

0 0

الخطبة الأولى

الحمد لله الذي أكمل لنا الدين، وأتم علينا النعمة، وجعل رسالة محمد صلى الله عليه وسلم خاتمة الرسالات، وشريعته باقية إلى قيام الساعة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك العلام، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبد الله ورسوله، سيد ولد آدم، وخاتم النبيين، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله الطيبين، وصحابته الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

{يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} [آل عمران: 102].

أما بعد:

عباد الله: إن أعظم مصيبة نزلت بالأمة الإسلامية منذ أن خلق الله آدم عليه السلام هي وفاة سيد الخلق، محمد صلى الله عليه وسلم. وما من مصيبة بعد موته إلا وهي دونها، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (إذا أصاب أحدكم مصيبة فليذكر مصيبته بي؛ فإنها أعظم المصائب) رواه الدارمي.

لقد قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثا وعشرين سنة يحمل أمانة الدعوة، ويبلغ رسالة ربه، ويصبر على الأذى، ويجاهد في سبيل الله، حتى أكمل الله به الدين، وأتم به النعمة، ونزل عليه في حجة الوداع قول الله تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم، وأتممت عليكم نعمتي، ورضيت لكم الإسلام دينا} [المائدة: 3]. وقد فهم بعض الصحابة أن هذه الآية إعلان بقرب انتهاء مهمة الرسول صلى الله عليه وسلم؛ ولذلك بكى أبو بكر رضي الله عنه حين سمع بعض إشارات النبي صلى الله عليه وسلم إلى قرب أجله؛ لأنه أدرك أن الرسالة قد اكتملت، وأن فراق الحبيب قد اقترب.

ثم اشتد المرض بالنبي صلى الله عليه وسلم في أواخر شهر صفر، واستمر أياما، وكان مع شدة مرضه حريصا على أمته، يخرج للصلاة ما استطاع، ويوصي أصحابه، ويؤكد على أعظم الحقوق. وكان من آخر وصاياه: (الصلاة، الصلاة، وما ملكت أيمانكم) رواه أبو داود. كما حذر من الغلو في القبور، فقال: (لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) متفق عليه. وأوصى بإخراج المشركين من جزيرة العرب، والإحسان إلى الأنصار، وغير ذلك من الوصايا الجامعة التي تدل على أن همه الأكبر كان بقاء الدين محفوظا بعد وفاته.

وفي مرضه صلى الله عليه وسلم أمر أبا بكر رضي الله عنه أن يصلي بالناس، فقال: (مروا أبا بكر فليصل بالناس) متفق عليه. وفي هذا إشارة ظاهرة إلى فضله، وإلى مكانته، وإلى استحقاقه للتقدم في الأمة بعد نبيها، وقد فهم الصحابة هذه الإشارة، فكانت من أعظم القرائن التي استندوا إليها في بيعته بالخلافة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وفي صباح يوم الاثنين، الثاني عشر من ربيع الأول على المشهور عند كثير من أهل السير، كشف النبي صلى الله عليه وسلم ستر حجرته، فنظر إلى الصحابة وهم يصلون خلف أبي بكر رضي الله عنه، فتهلل وجهه الشريف سرورا بما رأى من اجتماع الأمة على الصلاة، حتى قال أنس رضي الله عنه: "فما رأيت يوما كان أحسن ولا أضوأ من اليوم الذي دخل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وما رأيت يوما كان أقبح ولا أظلم من اليوم الذي مات فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم". رواه الترمذي.

وفي الضحى اشتد عليه المرض، وكان رأسه بين سحر عائشة ونحرها، فكان آخر ما قال: (بل الرفيق الأعلى)، فاختار جوار ربه، وانتقل إلى الرفيق الأعلى، بعد أن بلغ الرسالة كاملة، وأدى الأمانة تامة، وترك الأمة على المحجة البيضاء، لا يزيغ عنها إلا هالك.

عندها انقطع الوحي من السماء، وفقدت الأرض خير من وطئ ثراها، وأظلمت المدينة، وبكى الرجال قبل النساء، وذهل كثير من الصحابة من هول الفاجعة، حتى إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قام يقول: "والله ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم"، من شدة الصدمة، وظن أنه سيعود كما عاد موسى عليه السلام إلى قومه.

أيها المسلمون: ولما فاضت روح النبي صلى الله عليه وسلم إلى بارئها، دخل أبو بكر الصديق فكشف عن وجه رسول الله، فقبله بين عينيه وقال: "طبت حيا وميتا، أما الموتة التي كتبها الله عليك فقد ذقتها، ثم لن تصيبك بعدها موتة أبدا"، ثم خرج إلى الناس، وقد اضطربت قلوبهم، وذهلت عقولهم، ووقف عمر يخطب في الناس، وينفي موت رسول الله من شدة هول المصيبة. فقام أبو بكر وهو أثبت الناس قلبا، وأرسخهم يقينا، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال كلمته الخالدة التي بقيت دستورا للأمة إلى قيام الساعة: "أما بعد، فمن كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت"، ثم تلا قول الله تعالى: {وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين} [آل عمران: 144].

قال عبد الله بن عباس: "والله لكأن الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر"، وقال عمر: "فلما سمعتها علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد مات، فعقرت حتى ما تقلني رجلاي". وهكذا كان القرآن هو الذي ثبت الأمة في أعظم مصيبة مرت بها، وكان الصديق رضي الله عنه المثال الأعلى في رسوخ الإيمان، وحسن الفقه، ورباطة الجأش، وتقديم النص الشرعي على العاطفة الجياشة.

ثم اجتمع الأنصار والمهاجرون في سقيفة بني ساعدة للنظر في أمر قيادة الأمة؛ لأن الإسلام دين ينظم حياة الناس، ولا يتركهم بلا إمام يجمع كلمتهم، ويحفظ دينهم ودنياهم. وبعد الحوار والمشاورة، وذكر الفضائل، وبيان حق المهاجرين، بايع الصحابة أبا بكر الصديق رضي الله عنه خليفة للمسلمين، امتثالا لما ظهر لهم من النصوص والإشارات، واجتماعا للكلمة، وسدا لباب الفتنة. وفي ذلك دليل على عناية الإسلام بأمر الإمامة، وحرص الصحابة على وحدة الأمة، حتى قدموا مصلحة اجتماع المسلمين على كل شأن آخر، مع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن قد دفن بعد.

ثم تفرغ الصحابة رضي الله عنهم لتجهيز رسول الله، فغسله علي بن أبي طالب، والفضل بن العباس، وقثم بن العباس، وأسامة بن زيد، وشقران، وكفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية، كما ثبت في الصحيحين. ثم صلى عليه المسلمون فرادى، لا يؤمهم أحد، تعظيما لقدره الشريف، فدخل الناس جماعات يصلون عليه ويدعون له، ثم يخرجون، حتى صلى عليه الرجال، ثم النساء، ثم الصبيان.

ثم دفن صلى الله عليه وسلم في الموضع الذي توفي فيه، في حجرة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما قبض نبي إلا دفن حيث يقبض) رواه الترمذي. وكان دفنه ليلة الأربعاء، بعد أن أجمعت الأمة على خليفتها، واجتمع شملها، فانتقل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى، وبقيت شريعته خالدة، وسنته محفوظة، ودينه ظاهرا إلى قيام الساعة.

معاشر المؤمنون: لقد فقد المسلمون بوفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم قائد، وأرحم معلم، وأصدق ناصح، وأكمل قدوة، وانقطع الوحي من السماء، فلا نبي بعده، ولا رسالة بعد رسالته، قال تعالى: {ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين} [الأحزاب: 40]. ومع ذلك فإن الله تعالى لم يربط هذا الدين بحياة الأشخاص، وإنما ربطه بالوحي، ولذلك بقي الإسلام قويا بعد وفاته صلى الله عليه وسلم، وانتشر في الآفاق، وحمل الصحابة الأمانة من بعده، حتى بلغ نور الإسلام مشارق الأرض ومغاربها.

ومن أعظم الدروس المستفادة من هذه الحادثة الجليلة: أن الأشخاص مهما علت منزلتهم يموتون، ويبقى الدين، ويبقى العمل الصالح، ويبقى التمسك بالكتاب والسنة.

ومنها: أن الثبات عند الفتن إنما يكون بالرجوع إلى الوحي، كما فعل أبو بكر رضي الله عنه.


ومنها: أن القيادة الراشدة، والاجتماع على الحق، وحسن تدبير الأزمات، من أعظم أسباب حفظ الأمة.


ومنها: أن أعظم حق للنبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته هو صدق الإيمان به، وتعظيم سنته، واتباع هديه، والدعوة إلى شريعته، والإكثار من الصلاة والسلام عليه، قال الإمام مالك رحمه الله: "لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها." فما صلح به الصحابة بعد وفاة نبيهم هو التمسك بالكتاب والسنة، ووحدة الصف، والصدق مع الله، والزهد في الدنيا، وبذل النفس في نصرة الدين.

فيا عباد الله: إن أعظم وفاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم ليس في مجرد تذكر يوم وفاته، وإنما في إحياء سنته، وتعليم هديه، وتحكيم شريعته، ومحبة أصحابه وآل بيته، والاقتداء بأخلاقه، والدعوة إلى ما جاء به، حتى نلقاه على الحوض غير مبدلين ولا مغيرين.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.


الخطبة الثانية

الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

اتقوا الله عباد الله: واعلموا أن وفاة النبي صلى الله عليه وسلم كانت أعظم ابتلاء مر بهذه الأمة، لكنها كانت أيضا أعظم شاهد على كمال هذا الدين؛ فقد اكتملت الرسالة قبل وفاته، وحفظ القرآن، وبلغت السنة، وربى رسول الله صلى الله عليه وسلم جيلا حمل الأمانة من بعده، فانتشر الإسلام، وقامت حضارة الإيمان، وصدق وعد الله: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} [الحجر: 9].

أيها المسلمون: إن الأمة اليوم أحوج ما تكون إلى تجديد الصلة برسولها صلى الله عليه وسلم؛ علما بسيرته، واتباعا لسنته، وامتثالا لأمره، وتحاكما إلى شريعته، ونشرا لأخلاقه في البيوت، والمساجد، والمدارس، والأسواق، ووسائل الإعلام. فإن محبته ليست دعوى باللسان، وإنما هي طاعة واتباع، كما قال تعالى: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} [آل عمران: 31].

اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله الطيبين، وصحابته الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

 

مواد ذات صلة

المقالات

المكتبة