السؤال
السلام عليكم.
منذ شهرين وأم زوجي مقاطعة لي، مع العلم أني أعيش معهم، وعندما أراها -ولو صدفة- أسلم عليها من بعيد، ولكنها تسبب لي الكثير من المشاكل، وتدخل شقتي، وتفتش! وآخر مرة رمت علي كلاما جارحا، ويشهد الله أني لم أسئ الأدب معها يوما، ولم أرفع صوتي، ودائما أحنن قلب زوجي عليها، ولم أحرضه يوما على مقاطعتها بسببي.
كما أن لدي ولدا عمره 9 أشهر، ودائما ما أجعل زوجي يأخذه إليها، ويجلس مع أهله بدوني؛ تفاديا للمشاكل، فهل أكون بذلك ارتكبت إثما؟
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ رنا حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبا بك -أختنا الكريمة- في إسلام ويب، وردا على استشارتك أقول وبالله تعالى أستعين:
تقديمك لهذه الاستشارة دليل على حرصك على طاعة ربك، وأنك لا تريدين الوقوع في ما يسخط الله تعالى، ودليل على يقظة ضميرك؛ فنسأل الله تعالى أن يكتب لك الأجر والمثوبة. التزامك بعدم رفع صوتك، أو الإساءة لحماتك، وحرصك على تحسين العلاقة بين زوجك ووالدته، علامات بر وإحسان تؤجرين عليها، وخاصة أنك تفعلين ذلك في مقابل أذى تجدينه من حماتك.
اجتنابك لحماتك –أم زوجك– تفاديا للمشاكل جائز شرعا؛ إن كان الاختلاط بها يسبب لك المشاكل والمضايقات، وهذا ما يسمى شرعا بـ "الهجر الجميل"، خاصة وأنك لم تقاطعيها المقاطعة التامة، فتسلمين عليها إن وجدتها، ولا تنسي أن تبعثي لها بشيء من الطعام إن قبلت ذلك، وكذلك أن تهدي لها ببعض الهدايا الرمزية ما بين الحين والآخر؛ فالهدية طريق للمحبة والود، كما ورد في الحديث: "تهادوا تحابوا".
القطيعة المحرمة شرعا هي ما بين الأرحام، كالوالدين، والإخوة، والأعمام، والأخوال؛ قال تعالى: "فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم (22) أولٰئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمىٰ أبصارهم"، وفي الحديث قال الله تعالى للرحم: "ألا ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك".
أما أم الزوج: فليست من الأرحام الذين تجب عليك صلتهم، بل هي رحم لزوجك، ولولدك الذي هو حفيدها، أما أنت فأجنبية عنها، ولا صلة قرابة بينكما، لكن الإحسان إليها من باب حسن عشرتك لزوجك.
يجوز شرعا هجر المؤذي إن ثبت أذاه اتقاء لشره، كما ذكرت أن حماتك تجلب لك ضررا نفسيا، ومشاكل متكررة، وتفتش شقتك، ويصدر منها بعض الكلام الجارح، وغير ذلك؛ ولذلك ذكر العلماء قاعدة شرعية وهي: "الضرر يزال"، وقد أفتى أهل العلم بجواز الهجر إذا كان لغرض مشروع: كدفع أذى الشخص، وصيانة النفس، وسلامة البيت من الشقاق المستمر؛ قال العلامة ابن عبد البر -رحمه الله-، كما ورد في الفتاوى المشابهة: "أجمع العلماء على أنه يجوز الهجر فوق ثلاث، لمن كانت مكالمته تجلب نقصا على المخاطب في دينه، أو مضرة تحصل عليه في نفسه أو دنياه، فرب هجر جميل خير من مخالطة مؤذية".
يبقى لحماتك حق المسلم على المسلم، والتي قال عنها النبي -صلى الله عليه وسلم-: "حق المسلم على المسلم ست: إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصحه، وإذا عطس فحمد الله فشمته، وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتبعه".
ودونك بعض التوجيهات المهمة:
• إن وجدتها في طريقك فسلمي عليها، وابتسمي في وجهها؛ فالابتسامة فيها صدقة لك كما ورد في الحديث، ولا تبدي لها أي امتعاض، أو تقطيب وجه، ولا تجري معها حوارا مطولا، ولا نقاشا حادا؛ فهدف تجنبك لها هو قطع الطريق على المشاكل.
• استمري في تشجيع زوجك على بر أمه، وحثه على صلتها، وأرسلي طفلك إليها بشكل منتظم؛ فواجب زوجك بر أمه، وإعانتك له على ذلك لك به أجر عظيم، وما دمت تشجعينه على صلتها فأنت تؤجرين على ذلك.
• تفتيش الشقة، والتدخل في خصوصياتك عمل محرم، واعتداء على حقك في الخصوصية الذي كفله الشرع، والواجب على زوجك أن يتحاور مع والدته بود ورفق ولين، ويضع حدودا واضحة كي لا يتكرر الدخول إلى شقتك دون إذنك، وليأخذ بخاطر والدته بهدية يقدمها لها.
• الحماة قد تصيبها الغيرة من زوجة ابنها إن رأت تقصيرا من ولدها تجاهها؛ لأنها تعتقد أن الزوجة سحبت ولدها من بين يديها، فعلى زوجك أن يحسن تعامله مع والدته، وأن يخبرها أنك دائما تذكرينه بها، وتطلبين منه الإحسان إليها؛ فذلك قد يجعلها تراجع نفسها وتعرف خطأها.
وإن أمكن أن تغيري أسلوبك؛ فتتعاملين معها كما تتعاملين مع أمك، وتحسنين إليها، وتستشيرينها في بعض أمورك، وتقومين بخدمتها في بعض الأمور المتيسرة لك، فلعل المياه تعود لمجراها الصحيح، ويقذف الله في قلبها حبك، فذلك أمر حسن، وليكن ذلك بنظر زوجك.
• كما سبق، استمري بإرسال الولد مع والده إلى جدته كي يقضي وقتا معها؛ فهذا يرضي الزوج، ويدخل السرور على قلب الجدة (رغم مقاطعتها)، ويبقيك بعيدة عن دائرة الشقاق.
• نذكرك أن صبرك على أذاها هو نوع من مجاهدة النفس من أجل سلامة بيتك وصدقة لك، فاحتسبي الأجر، وأكثري من الدعاء لها بظهر الغيب بالهداية وصلاح الحال، والدعاء لنفسك بالصبر والثبات.
• نوصيك بالمحافظة على الصلوات الخمس في أوقاتها، مع الإكثار من نوافل الصوم، والصلاة، وتلاوة القرآن، واستماعه، والتضرع بين يدي الله تعالى بالدعاء، مع تحري أوقات الإجابة، وسلي الله تعالى أن يصلح حال حماتك، وأن يبصرها بعيوبها، وأن يؤلف بين قلبك وقلبها، وأن يرزقك الحياة المستقرة، ويدفع عنك كل شر ومكروه.
• أكثري من الأعمال الصالحة المتنوعة؛ فذلك من أسباب جلب الحياة المستقرة والآمنة، كما قال تعالى: "من عمل صالحا من ذكر أو أنثىٰ وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ۖ ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون".
• أكثري من دعاء الكرب، فهذا الذكر من أسباب تفريج الهموم، وهو: "لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض ورب العرش الكريم".
• رددي كثيرا دعاء ذي النون، فقد صح في الحديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:" دعوة ذي النون؛ إذ دعا بها في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك، إني كنت من الظالمين، فإنه لن يدعو بها مسلم في شيء إلا استجاب له".
• حافظي على أذكار اليوم والليلة في أوقاتها؛ ففيها حصن حصين للمسلم، وأجر عظيم.
نسأل الله تعالى أن يصلح أحوالنا أجمعين، وأن يجنبنا الفتن والمحن ما ظهر منها وما بطن، إنه سميع مجيب.