كيف أجاهد نفسي وأربيها على الإيمان والدين القويم؟

0 1

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أرجوكم ساعدوني، فنفسي تستكبر ولا تريد الإيمان، رغم أني أقنعها ليل نهار بأني كنت ترابا، أعاني من تكذيب كل شيء حول الدين، وأجتنب المحرمات مهما استطعت بنية أن أثاب، أشعر أن نفسي لا تريد أن تؤمن، وأشعر أني أكرهها على الإيمان.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ مجهول حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أهلا بك في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله الكريم أن يبارك فيك، وأن يحفظك، وأن يقدر لك الخير حيث كان، وبعد:

فما تصفه ليس كفرا، ولا استكبارا حقيقيا، ولا رفضا للإيمان، بل هو نوع من أنواع وسواس الإيمان مع إرهاق النفس، وهو منتشر بين أهل التدين والصلاح، لذا نريدك أن تثبت هذه الحقيقة أولا في قلبك، النفس التي لا تريد الإيمان لا تجاهد، ولا تقنع نفسها، ولا تجتنب المحرمات بنية الثواب، ولا تتألم من الشك، ولا تبكي وتطلب العون، النفس المعاندة حقا مستريحة، مستكبرة، راضية، لا تنازع نفسها أصلا، أما ما تعيشه فهو صراع مؤلم، والصراع لا يكون إلا عند وجود أصل الإيمان.

قال النبي ﷺ عندما شكا الصحابة مثل هذه الخواطر: وقالوا إنا نجد في أنفسنا ما لا قدرة على الحديث عنه، فقال لهم ﷺ: (ذاك صريح الإيمان)، أي أن كراهية هذه الخواطر، والتألم منها، والخوف بسببها دليل وجود الإيمان لا نفيه.

المشكلة عندك ليست أن نفسك لا تريد الإيمان، بل أنك تطلب من الإيمان شعورا معينا، وتظن أن غيابه يعني غياب الإيمان نفسه، وهذا خطأ شائع، فالله -عز وجل- قال: ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾، وأنت الآن تفعل ما في وسعك، تتصدق، تجتنب الحرام، تنوي الثواب، وتجاهد الشك، وهذا هو الإيمان العملي الذي يثاب عليه العبد، ولو كان قلبه متعبا.

وأما قولك: (أشعر أني أكره نفسي على الإيمان)، فهذا ليس صحيحا، بل هذا ما يريد الشيطان أن يوهمك به، مع العلم أن المجاهدة هي من صميم التدين، وهي الطريق الصحيح للفوز العظيم، قال تعالى: ﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا﴾، فالجهاد هنا ليس فقط جهاد الشهوة، بل جهاد الشك والتعب الداخلي.

أمر مهم جدا: لا تكثر محاورة نفسك بالعقل طوال اليوم، كثرة الإقناع الذهني المتكرر ترهق الدماغ وتغذي الوسواس، والإيمان لا يبنى بالجدال الداخلي المستمر، بل بالاستقرار على أصل واحد بسيط: (أنا أؤمن بالله لأنني اخترت ذلك، لا لأنني أشعر بذلك الآن)، ثم تعيش حياتك بناء على هذا الاختيار، لا على مزاج النفس، وإذا جاءك خاطر: (كل شيء مكذب)، فلا تناقش الفكرة ولا تحاول دحضها، بل قل بهدوء: (هذا خاطر، وليس قرارا)، ثم انتقل لشيء عملي، فالنبي ﷺ قال: فلينته، أي ليقطع ولا يسترسل مع هذه الوساوس، فالقطع هنا عبادة.

أكثر الشكوك التي يعيشها أبناؤنا اليوم سببها أمران:
الأول: ضعف العلم الشرعي، فالتعليم اليوم قائم على الاهتمام بالعلوم الدنيوية، يتخرج الطالب وهو ضعيف في معاني الإيمان، فيكبر وهو غير مدرك لهذه المعاني، وكأنه عرفه دينه بالتلقين.
الثاني: سماعه للمشككين وهو ضعيف البضاعة الإيمانية، يسمع الشكوك وهو لم يبن بناءه الإيماني جيدا؟ يشككونه في كل شيء، في وجود الله، في صدق نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم، ثم يسمع من يسخر من الدين، وهو لم يقوى دينه بالإيمان، ماذا ستظن النتيجة؟

كثير ممن ناقشناهم في هذا الباب، كان سببه هذين الأمرين، ثم تأتي أسباب أخرى قد لا تكون رئيسة، مثل وجوده في مجتمع قاس، أو أسرة قاسية لا تعرف التربية الإيمانية الحقيقية، فيظن أن هذا هو الدين.

ننصحك بطلب العلم، فكلما تعلم الشاب دينه فهمه فهما صحيحا، وقلت عنده الشكوك، خصوصا شكوك الإيمان والإسلام، تعلم العقيدة وابدأ بمنهج صحيح، سترى أن كثيرا من الإشكاليات ليست كذلك، وإنما جعلها الوسواس كذلك، الدين يسر، وقد جاء لسعادة الناس، فكل ما يشق عليهم خففه الشرع عنهم، يقول المولى سبحانه وتعالى: {ما يريد الله ليجعل عليكم في الدين من حرج} الدين ليس عبادات ظاهرية فقط، فهو معاملة بينك وبين ربك، وبينك وبين الناس، بر الوالدين عبادة، الإحسان للأهل وصلة الرحم عبادة، مساعدة الفقراء والمساكين عبادة، تجنب الحرام عبادة، الدين واسع، فلا تضيقه في نوع من العبادات إن لم تستطعه ضاق صدرك.

وختاما: لا تخف من فكرة (أنا أجبر نفسي)؛ لأن النفس بطبيعتها أمارة، ﴿إن النفس لأمارة بالسوء﴾، فقيادتها ليست نفاقا، بل نجاة، ونوصيك عمليا بثلاثة أمور فقط، لا أكثر:

أولا: خفف التفكير والتحليل، وزد الفعل البسيط الهادئ.
ثانيا: التزم بعبادات قليلة ثابتة دون ضغط نفسي.
ثالثا: إذا جاءك الخاطر، سمه باسمه: (وسواس)، ثم تجاهله دون صراع.

نسأل الله أن يحفظك، وأن يرعاك، والله الموفق.

مواد ذات صلة

الاستشارات