السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أريد أن أستفسر حول ما يلي:
السؤال الأول: هل تكفي النية لوقوع الرزق والبركة، أم يجب وجود العمل المحسوس؟ فمثلا: لو نويت الصدقة لأجرها أو عملا حسنا، لكن لا أملك المال، أو لا أستطيع فعله، هل تكفي النية، أم لا تساوي في الأجر فعل العمل نفسه؟
السؤال الثاني: قد لا يستخير بعض الرجال عند إقدامهم على خطبة فتاة؛ فهل إذا مضى الرجل في الخطبة والسير في الزواج دون رغبة، يمكن أن يكون عدم تيسير الزواج سببه ذلك؟
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ هند حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبا بك -أختي الكريمة- في شبكة إسلام ويب، وردا على استشارتك أقول، ومن الله أستمد العون:
سوف أرد على استشارتك برد شامل، وأرجو من الله تعالى أن ينفعك به.
أولا: قولك: هل تكفي النية وحدها لنيل الرزق والبركة والأجر؟.
1- النية لها منزلة عظيمة في الشريعة الإسلامية، فبدونها لا تصح العبادة، وبها يؤجر المرء وإن لم يعمل، يقول نبينا عليه الصلاة والسلام:إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فهذا الحديث لا يعني أن النية تغني عن العمل مطلقا، وإنما يبين أن العمل لا يقبل إلا بالنية، ولكنه إن عجز العبد عن العمل فإن الله يأجره بنيته، كما حصل للصحابة حينما لم يستطيعوا حضور غزوة تبوك، فقال النبي عليه الصلاة والسلام، كما في صحيح مسلم: إن بالمدينة لرجالا ما سرتم مسيرا، ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم، حبسهم المرض، وفي رواية: إلا شركوكم في الأجر، وروى البخاري عن أنس رضي الله عنه قال: رجعنا من غزوة تبوك مع النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن أقواما خلفنا بالمدينة ما سلكنا شعبا ولا واديا إلا وهم معنا، حبسهم العذر.
بالنية تنقلب العادة إلى عبادة، يدل على ذلك قول ربنا سبحانه: ﴿قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين * لا شريك له ۖ وبذٰلك أمرت وأنا أول المسلمين﴾، ويقول نبينا عليه الصلاة والسلام: وابتسامتك في وجه أخيك صدقة، ويقول: حتى اللقمة تضعها في فم امرأتك لك فيها أجر، وقال معاذ بن جبل لأبي موسى رضي الله عنهما: إني لأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي، فانظري كيف جعل الشرع الأعمال اليومية الروتينية تنقلب إلى عبادة يؤجر عليها الإنسان، لكن بالنية التي يغرسها المسلم في قلبه.
2- إذا نوى المسلم فعل الخير، كالصدقة أو الإحسان، وكان صادق النية لكنه عاجز عن الفعل (لفقر، أو عدم قدرة، أو مانع قهري)، فإنه يؤجر على نيته، وقد ثبت عن النبي ﷺ، كما في صحيح مسلم، أنه قال: من هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله له حسنة كاملة وقد قرر أهل العلم أن من نوى الخير نية جازمة وبذل ما يستطيع، ثم منعه العجز، فله أجر النية، وقد يلحق بأجر الفاعل إن كان صادقا.
3- هناك فرق بين أجر النية وأجر العمل؛ فأجر النية ثابت ومعتبر عند الله تعالى، لكن أجر العمل أعظم وأكمل؛ لأن فيه نفعا متعديا، وتحملا، ومجاهدة، فالنية الصادقة تدخل العبد في باب الأجر، والعمل يكمل الأجر ويضاعفه، ولهذا قال بعض الصحابة للنبي ﷺ: يا رسول الله، ذهب أهل الدثور (الأغنياء) بالأجور، يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم، فقال: أوليس قد جعل الله لكم ما تصدقون؟ إن بكل تسبيحة صدقة، وبكل تكبيرة صدقة، وبكل تهليلة صدقة، وبكل تحميدة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، وفي بضع أحدكم صدقة، قالوا: يا رسول الله، يأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ فقال: أرأيتم لو وضعها في الحرام أكان عليه فيها وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال يكون له الأجر.
4- النية وحدها لا تغني عن السعي في طلب الرزق؛ فالرزق والبركة لا ينالان بالنية وحدها مع ترك الأسباب، قال تعالى:﴿فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه﴾، وقال النبي ﷺ: لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير؛ تغدو خماصا وتروح بطانا، فالطير تغدو وتروح؛ أي: تسعى.
ثانيا: قولك: هل عدم الاستخارة أو عدم الرغبة سبب في عدم تيسير الزواج؟.
1- صلاة الاستخارة سنة مؤكدة، وليست واجبة، فمن تركها لا يأثم، لكنه يفوت على نفسه خيرا عظيما.
2- الزواج من أعظم قرارات العمر، وإذا أقدم الرجل عليه بلا رغبة، أو بتردد شديد، أو بدافع ضغط اجتماعي فقط، فقد يكون عدم التيسير علامة رحمة من الله، لا عقوبة، قال تعالى: ﴿وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم﴾ وقال أيضا: ﴿ويجعل الله فيه خيرا كثيرا﴾، وهذا الخير غالبا يكون مع القبول والرغبة.
3- ليس بالضرورة أن يكون عدم الاستخارة سببا مباشرا لعدم التيسير، لكن الاستخارة تعني تفويض الأمر لله، وتركها قد يجعل الإنسان يمضي بعقله وحده، فيقع في حيرة واضطراب، وقد قرر أهل العلم أن من استخار الله بصدق ثم تعسر الأمر، فالتعسير نفسه هو الجواب.
4- ماذا يعني عدم التيسير؟ عدم التيسير قد يكون صرفا عن شر، أو تأجيلا لحين أصلح، أو اختبارا لصبر العبد، وليس دليلا على أن الزواج خطأ شرعا، وإنما قد يكون غير مناسب في هذا التوقيت أو بهذه الصورة.
والخلاصة: أن الدين لا يقوم على النية وحدها، ولا على العمل وحده، بل على نية صادقة، والسعي والعمل بالأسباب، مع التوكل على الله تعالى، ومن صدق مع الله في قصده، ولم يتكاسل عن الأخذ بالأسباب، فإن الله لا يخيبه.
أسأل الله أن يرزقنا وإياك العلم النافع، والعمل الصالح الرافع، إنه على كل شيء قدير.