محتار بين الرجوع لبلدي لتربية أطفالي والبقاء لإكمال دراستي!

0 0

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أقيم في ألمانيا منذ سنوات، وأنا في الأصل من سكان مدينة القدس بفلسطين، قدمت إلى ألمانيا بغرض دراسة الطب، وبعد التخرج بدأت مسيرتي المهنية فيها، ثم تزوجت من فلسطينية واستقدمت زوجتي للعيش معي، بناء على وعد قطعته لها قبل الزواج بالعودة إلى القدس فور إنهاء التخصص.

رزقنا الله بطفلين، وقد بلغ ابني اليوم سن الرابعة، ومن المقرر التحاقه بالمدرسة في العام القادم، وفي الآونة الأخيرة، اشتد ضغط أهلي علي لإعادة زوجتي وأطفالي إلى القدس، ليلتحق ابني بالمدرسة هناك؛ لرغبتهم في ألا يتلقى أطفالي تعليمهم في ألمانيا.

في المقابل لا يزال أمامي عامان لإتمام التخصص، إضافة إلى ضرورة اجتياز امتحان مهني مصيري، ولا أستطيع في هذه المرحلة ترك عملي أو العودة نهائيا.

كما أنني لا أقبل نفسيا ولا أخلاقيا الابتعاد عن زوجتي وأطفالي طوال هذه المدة؛ إذ إن وجودي اليومي معهم وتربيتهم تحت نظري، يمثلان أولوية قصوى تفوق في أهميتها التعليم والمدرسة.

أنا اليوم أمام خيار صعب: إما الاستجابة لرغبة أهلي وما يترتب عليها من فراق أسرتي، أو الاستمرار مع زوجتي وأطفالي إلى حين إنهاء التخصص، مع الحفاظ على علاقتي بوالدي وبرهما، دون الإضرار باستقرار أسرتي الصغيرة.

أفيدوني، هل تجب علي طاعة والدي في هذه الحالة، أم أن بقائي مع عائلتي هو الأهم؟

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ مؤيد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نشكرك على تواصلك معنا، وثقتك بموقعنا.

فهمنا من رسالتك -أخي الكريم- أنك تعيش صراعا حقيقيا بين واجباتك المتعددة، وهذا أمر يشعر به كثير من المغتربين، الذين يحاولون التوفيق بين طاعة الوالدين وحقوق الزوجة والأولاد، ومتطلبات الحياة المهنية، ولعل هذا الموقف يحمل في طياته فرصة لإعادة ترتيب الأولويات، وفق ميزان الشرع والحكمة.

إن ما تمر به الآن ليس مجرد اختيار بين أمرين، بل هو محاولة للموازنة بين حقوق متعددة، كل منها له وزنه في ميزان الشرع. فمن جهة، لديك حق والديك في البر والإحسان والطاعة في المعروف، ومن جهة أخرى، لديك حق زوجتك في السكن معك ورعايتك لها، وحق أطفالك في وجودك إلى جانبهم في سنوات التكوين الأولى هذه، إضافة إلى الوعد الذي قطعته لزوجتك قبل الزواج.

إن بر الوالدين من أعظم القربات إلى الله عز وجل، يقول تعالى: ﴿وقضىٰ ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا﴾، وقد جعل الله حقهما بعد حقه مباشرة، لكن هذا لا يعني طاعة عمياء في كل ما يطلبانه، فالأصل في طاعة الوالدين أنها واجبة في المعروف، أما إذا تعارضت مع حق واجب آخر، أو ترتب عليها ضرر محقق، أو كانت في أمر ليس من حقهما الأمر فيه شرعا، فإن الطاعة لا تجب يقول النبي ﷺ: "إنما الطاعة في المعروف"، ويقول أيضا: "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق".

إن من حق الزوجة على زوجها أن يسكنها معه، وأن يوفر لها الاستقرار والأمان، وأن يقوم على رعايتها وتلبية احتياجاتها المادية والمعنوية، كما أن من حق الأطفال على والدهم أن يكون حاضرا في حياتهم، مربيا وموجها وراعيا، خاصة في سنوات التكوين الأولى، يقول الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا﴾، فكيف تقي أهلك النار وأنت بعيد عنهم؟ وكيف تراقب تربيتهم وتوجيههم وأنت على بعد آلاف الكيلومترات؟

عند التعارض بين الحقوق والواجبات، ينظر الإنسان المسلم في المصالح والمفاسد، ويقدم أعظمها نفعا ويدرأ أشدها ضررا. فما هي المصلحة الحقيقية في إعادة زوجتك وأطفالك الآن؟ وما هي المفسدة المترتبة على ذلك؟

إن دخول الطفل المدرسة في سن الرابعة أو الخامسة ليس أمرا مصيريا، بحيث يستحق أن تتفكك الأسرة من أجله، خاصة وأن لديك خطة واضحة للعودة بعد سنتين.

في المقابل، إن الانفصال عن أسرتك في هذه المرحلة الحساسة من حياتك المهنية والأسرية قد يترتب عليه مفاسد كثيرة: ضعف الرابطة الزوجية، غياب الأب عن التربية اليومية، معاناة نفسية للزوجة والأطفال، صعوبة في التركيز على الدراسة والعمل، وربما تأثير سلبي على امتحانك المصيري.

ثم إن هناك سؤالا آخر يجب أن تطرحه على نفسك: هل طلب والديك نابع من اجتهاد شرعي صحيح، أم هو رغبة شخصية في أن يكون الأحفاد قريبين منهم؟ وهل راعوا في طلبهم مصلحة الأسرة بأكملها، أم نظروا فقط إلى جانب واحد؟

أخي الكريم، بعد النظر في جميع جوانب المسألة، فإن الرأي الراجح شرعا وعقلا هو أن تبقى مع زوجتك وأطفالك، حتى تنهي تخصصك خلال السنتين القادمتين، وذلك للأسباب التالية:

أولا: إن حق الزوجة في السكن مع زوجها حق ثابت شرعا، ولا يجوز إجبارها على السكن بعيدا عنك إلا برضاها الكامل، وحتى إن رضيت فإن هذا لا يعفيك من مسؤوليتك تجاهها وتجاه أطفالك.

ثانيا: إن تربية الأطفال في سنواتهم الأولى مسؤولية الأب والأم معا، وغياب أحدهما يترك فراغا كبيرا في حياة الطفل، والدراسات النفسية والتربوية تؤكد على أهمية وجود الوالدين معا في هذه المرحلة.

ثالثا: إن طاعة الوالدين في هذه المسألة ليست واجبة؛ لأنها تتعلق بأمر ليس من حقهما الأمر فيه شرعا، وهو اختيار مكان سكن الزوجة والأولاد، وقد يترتب على هذه الطاعة ضرر محقق بالأسرة.

رابعا: إن السنتين القادمتين ستمران بسرعة إن شاء الله، ثم ستعودون جميعا إلى القدس كما وعدت، وسيكون ابنك في السادسة من عمره، وهو سن مناسب تماما لبداية الدراسة الجادة.

لكن هذا لا يعني أن تقطع والديك أو تسيء إليهما، بل عليك أن تتعامل معهما بكل احترام وأدب، وأن تشرح لهما وجهة نظرك بحكمة ورفق، اجلس معهما جلسة هادئة، واشرح لهما الأسباب الشرعية والعملية التي تمنعك من الاستجابة لطلبهما الآن، وأكد لهما أن رفضك ليس عن عقوق أو قلة احترام، بل هو من باب الحرص على مصلحة الأسرة والوفاء بالوعد والقيام بالمسؤولية.

قل لهما: يا أبي، يا أمي، إني أحبكما وأحترمكما وأقدر رغبتكما في أن يكون أحفادكما قريبين منكما، لكني أطلب منكما أن تصبرا علي سنتين أخريين فقط، ثم سنعود جميعا إن شاء الله إلى القدس، وستكونون قريبين من أحفادكم، إني لا أستطيع أن أترك زوجتي وأطفالي الآن، فهذه مسؤوليتي الأولى، ولدي امتحان مصيري أمامي، وأحتاج إلى أن أكون مستقرا نفسيا حتى أتمكن من النجاح فيه، أرجو أن تتفهما موقفي، وأن تدعوا لي بالتوفيق.

واحرص على أن تبقى على تواصل دائم معهما، وأن تطمئن عليهما باستمرار، وأن تشاركهما أخبار أحفادهما عبر المكالمات والفيديوهات، وأن تزورهما كلما أمكن ذلك. فإن هذا من البر والإحسان، وسيخفف من شعورهما بالبعد.

من الأمور التي سوف تعينك بإذن الله في هذه المرحلة:

أولا: أكثر من الدعاء والاستغفار والتوكل على الله، فإن الله عز وجل يقول: ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجا * ويرزقه من حيث لا يحتسب﴾، واسأل الله أن يلين قلوب والديك، وأن يرزقك التوفيق في حياتك.

ثانيا: استعن ببعض الأقارب أو الشخصيات المؤثرة في العائلة ليتحدثوا مع والديك ويشرحوا لهما وجهة نظرك، فإن الكلام من شخص ثالث قد يكون أكثر تأثيرا أحيانا.

ثالثا: اعمل على تقوية علاقة أطفالك بأجدادهم رغم البعد، من خلال المكالمات المرئية والهدايا والزيارات؛ حتى لا يشعر والداك بالغربة عن أحفادهما.

رابعا: اجعل من هاتين السنتين فرصة لتقوية رابطتك الأسرية، ولتكون قدوة لأطفالك في الحرص على الأسرة والوفاء بالوعود.

خامسا: ابدأ التخطيط الجاد للعودة بعد سنتين؛ حتى يطمئن والداك إلى جديتك في الوفاء بوعدك.

أخي الكريم، إن الحياة مليئة بالتحديات والاختيارات الصعبة، وإن من علامات النضج والحكمة أن يستطيع الإنسان الموازنة بين حقوق الآخرين دون أن يظلم أحدا. لقد قال أحد الحكماء:
وما المرء إلا حيث يجعل نفسه ... فكن طالبا في الناس أعلى المراتب

وأنت اليوم مطالب بأن تجعل نفسك في مرتبة الرجل المسؤول الذي يوازن بين الحقوق ويقدم الأهم على المهم. فزوجتك وأطفالك هم أمانة في عنقك، وقد اختاروك لتكون رب أسرتهم ومرشدهم وحاميهم، فلا تتخل عن هذه الأمانة، وتذكر قول الله تعالى: ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلىٰ أهلها﴾، وقول النبي ﷺ: "كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته، فالرجل راع في أهله ومسؤول عن رعيته".

لا ينبغي أن تشعر بالذنب تجاه هذا القرار، فأنت لم تعص والديك في أمر واجب، ولم تقصر في حقهما، بل أنت تحاول أن تؤدي جميع حقوقك كما أمرك الله. وإن كان في قلب والديك شيء من الحزن الآن، فإنه سيزول بإذن الله عندما يريان جديتك في الوفاء بوعدك، وعندما تعود إليهما بعد سنتين وقد حققت هدفك ووفيت بعهدك.

واعلم أن الله تعالى لا يضيع أجر من أحسن عملا، وأنه سبحانه يعلم ما في قلبك من حرص على رضا والديك وعلى مصلحة أسرتك. يقول الله عز وجل: ﴿وٱلذين جٰهدوا۟ فينا لنهۡدينهمۡ سبلنا﴾.

نسأل الله أن ييسر أمرك، وأن يشرح صدرك، وأن يهديك سواء السبيل، وأن يوفقك في امتحانك، وأن يجمعك بأهلك في القدس الشريفة عن قريب، وأن يرزقك بر والديك ورضاهما، وأن يحفظ لك زوجتك وأطفالك، وأن يجعلهم قرة عين لك في الدنيا والآخرة.

مواد ذات صلة

الاستشارات