السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أعيش في زمن كثرت فيه المؤثرات الفكرية والثقافية، وأشعر أحيانا بشيء من التشتت بين ما أراه من أنماط الحياة المعاصرة وبين ما تعلمته من قيمي الإسلامية وهويتي الحضارية، أرغب بصدق في الارتقاء بنفسي إيمانيا وأخلاقيا وفكريا، وأن أكون مسلما معتزا بدينه، معتزا بهويته، وقادرا في الوقت نفسه على التفاعل الإيجابي مع واقعه.
سؤالي: ما المنهج العملي الذي تنصحون به لتحقيق الارتقاء بالإنسان إيمانيا وسلوكيا وفكريا؟ وكيف يمكن تعزيز القيم الإسلامية في النفس حتى تصبح راسخة ومؤثرة في السلوك اليومي؟
كما أرجو توجيهي إلى وسائل عملية تعينني على تعزيز الهوية الحضارية الإسلامية في نفسي وأسرتي، بحيث أكون عنصرا بناء وإصلاحا في مجتمعي، وأسهم في نشر القيم الإسلامية بأسلوب حكيم ومتوازن.
وجزاكم الله خيرا، ونفع بكم.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ صالح حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
أهلا بك في إسلام ويب، ونسأل الله أن يربط على قلبك، ويجعلك من الغرباء الذين يصلحون إذا فسد الناس، وأن يفتح لك أبواب البناء النفسي والحضاري لك ولأمتك.
ولأن سؤالك عميق يحتاج إلى الإجابة المفصلة، فسيكون في العناصر التالية:
1- إن شعور الغربة الذي ذكرته ليس عارضا نفسيا، بل بداية الوعي حين يصحو القلب وسط ضجيج الحضارة المادية، فيشعر أن ما حوله لا يشبه ما في داخله، هذه الغربة بداية الطريق لا نهايته؛ لأنها تعني أن القلب ما زال حيا يبحث عن الحياة الحقيقية، وقد قال النبي ﷺ: بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء.
2- الإنسان في هذا الزمن لا يحتاج فقط إلى زيادة التدين، بل إلى مشروع ارتقاء شامل يصنع القلب والعقل والسلوك معا؛ لأن الحضارة لا تبنى بأفراد صالحين فقط، بل بأفراد صالحين واعين فاعلين يملكون رسالة واضحة يعيشون لها ويضحون من أجلها.
3- القلب هو نقطة البداية، فلا يمكن مقاومة التيار وأنت فارغ من الداخل، بعد الفرائض لا بد من خلوة يومية ثابتة مع الله، ولو دقائق، تجدد فيها نيتك وتراجع يومك؛ هذه الخلوة مصنع القوة والوقود الذي يمدك بالطاقة حين تشتد المؤثرات، وهي التي تحفظ حرارة الإيمان من أن تخبو في زحمة الحياة.
4- العقل يحتاج إلى غذاء منضبط؛ لأن أخطر ما يهدد الهوية ليس العداء المباشر، بل التعرض العشوائي للأفكار، من دون برنامج قراءة واع، سيملأ العالم عقلك بما يريد هو لا بما يصلحك؛ لذلك اجعل لنفسك وردا ثقافيا ثابتا، قوامه الوحي والسيرة والتاريخ والفكر الإسلامي، حتى تمتلك معيار الفهم قبل الانخراط في العالم.
5- الصحبة الصالحة ليست رفاهية بل ضرورة وجودية في زمن الغربة؛ فالإنسان وحده يضعف مهما كان صادقا، أما حين تحيط به بيئة صالحة فإنه يثبت ويستمر، قال الله تعالى: ﴿واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم﴾، الصحبة ليست فقط من يذكرك بالله، بل من يشاركك مشروع الارتقاء والعمل.
6- تعزيز الهوية الحضارية لا يعني الانغلاق، بل امتلاك معيار واضح للتفاعل مع العالم؛ فالمسلم يأخذ من الحضارة المعاصرة أدواتها النافعة: العلم، النظام، الإبداع، الجودة، ثم يضخ فيها روحه القيمية، هذا هو التفاعل الحضاري: الأخذ والإضافة، لا الذوبان ولا الرفض؛ فإن أخطر ما يهدد الهوية اليوم هو التعرض العشوائي للثقافة؛ لذلك يحتاج المسلم إلى نظام ثقافي واع: قراءة في السيرة والتاريخ والفكر، تقليل الضجيج الإعلامي، وصناعة بيئة تحافظ على القيم الإيمانية.
7- الأسرة هي الحاضنة الأولى للهوية، وبناء بيت له روح إيمانية هو أعظم مشروع حضاري، مجلس قرآن أسبوعي، قصة نبوية، مشروع صدقة، حوار مفتوح حول القيم، مشاركة الأبناء في خدمة المجتمع؛ هذه الممارسات الصغيرة تصنع جيلا يحمل الهوية بثقة وهدوء.
8- الدعوة إلى القيم لا تكون بالصدام بل بالحوار الفاعل، فالقدوة الصامتة أقوى من ألف خطاب: إنسان صادق أمين متقن، رحيم متوازن؛ هو نموذج حضاري حي، قال الله تعالى: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطا﴾. الوسطية هنا تعني القوة بلا قسوة، والانفتاح بلا ذوبان.
9- كذلك من أعظم ما يحفظ الهوية تحويل القيم إلى عادات راسخة في تفاصيل الحياة: عادة الصدق في أبسط المواقف، عادة الإحسان في أصغر الأعمال، عادة ضبط اللسان، عادة احترام الوقت، عادة إتقان العمل، الحضارات لا تقوم بالقفزات بل بالتراكمات، والعادات الصغيرة تصنع الشخصية الكبيرة.
10- ومن وسائل حفظ الهوية كذلك الوعي بالرسالة الحضارية للأمة، وأن المسلم لا يعيش لنفسه فقط بل ليكون شاهدا على الناس بالعدل والرحمة والخير، وأن يرى عمله ومهنته ونجاحه جزءا من عبادة الله وخدمة خلقه.
11- برنامج عملي للارتقاء:
- ورد قرآن يومي.
- المحافظة على أذكار الصباح والمساء، ويستحب أن تكون بصوت عال؛ حتى يتعود عليه الأبناء.
- قراءة أسبوعية في أحد كتب العلم الشرعي.
- عمل خيري شهري جماعي.
- محاسبة ليلية.
-تقليل المشتتات.
- بناء صحبة صالحة.
- تطوير مهارة نافعة للمجتمع.
هذه ليست أعمالا منفصلة بل منظومة حياة متكاملة.
وختاما: الإنسان حين يجمع بين الإيمان والوعي والعمل يصبح عنصرا بناء وإصلاحا، يعيش بقلب متصل بالله، وعقل واع بالعالم، ويد تعمل في خدمة الناس، وهنا يتحقق معنى الشهادة على الناس، قال الله تعالى: ﴿لتكونوا شهداء على الناس﴾.
نسأل الله أن يجعلك من أهل البصيرة والرسالة، وأن يثبتك على الحق، ويجعل حياتك عمرانا وخيرا، وأن يرزقك أثرا طيبا في نفسك وأسرتك ومجتمعك، وأن يكتب لك القبول في الدنيا والآخرة.