السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أنا فتاة، أبلغ من العمر 24 عاما، أنهيت دراستي في الخارج، لكن بعد التخرج لم أستطع البدء فورا في البحث عن عمل؛ بسبب حالتي النفسية والجسدية المتعبة؛ نتيجة التوتر الذي عشته خلال سنوات الدراسة، ورغم ذلك، لم يتوقف والدي عن سؤالي إن كنت قد وجدت عملا.
أعاني من قلق اجتماعي يجعل من الصعب علي مناقشة والدي، أو التحدث معه براحة، وغالبا ما أشعر بالتوتر عندما أكون بقربه، كما أن من عادات والدي أنه يخبر الناس كثيرا عن خططنا وأمورنا الخاصة، ويتأثر بآراء الآخرين، حتى عندما تكون غير صحيحة، لهذا السبب أصبحت أفضل الاحتفاظ بقراراتي لنفسي، وقضاء أموري بالكتمان.
قررت العودة إلى بلدي لأنني محجبة، والبلد الذي كنت أعيش فيه لديه نظرة سلبية تجاه المسلمين والحجاب، إضافة إلى ذلك، أرغب في الانتقال إلى بلد آخر يتحدث لغة مختلفة عن اللغة المستخدمة في البلد الحالي؛ لأنني لا أشعر بالارتياح في استخدامها كثيرا، كما أن والدتي كانت قلقة علي كثيرا، وشجعتني على العودة، وهذا ما ساعدني على اتخاذ هذا القرار، رغم أن والدي لم يكن موافقا عليه.
مع ذلك، حاولت رغم قلقي من الحديث معه أن أشرح له موقفي، وأن أوضح له أنني أرغب في الانتقال إلى بلد آخر، وأنني حاليا أعمل على مشروع خاص بي، لكنه ما زال يسألني في كل فرصة إن كنت قد وجدت عملا، مع أن إيجاد عمل في تخصصي يحتاج إلى وقت طويل؛ بسبب كثرة المقابلات، وازدحام سوق العمل، إضافة إلى معاناتي من القلق الاجتماعي.
لذلك أتساءل: هل أكون مذنبة لأنني لم أبق في ذلك البلد للبحث عن عمل كما أراد والدي؟ وكيف يمكنني التعامل مع والدي في هذا الوضع؟
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ Ibtissam حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
نشكركم لتواصلكم معنا، وثقتكم بموقعنا.
فهمنا من رسالتك -أختي الكريمة- أنك تمرين بمرحلة انتقالية صعبة على أكثر من صعيد؛ فأنت تحملين في الوقت ذاته ثقل التعب النفسي والجسدي المتراكم منذ سنوات الدراسة، والضغط المتجدد من تساؤلات والدك، والقلق الاجتماعي الذي يجعل الحوار عبئا إضافيا، فضلا عن قرار الانتقال، وما يحمله من تحديات، ومن الطبيعي جدا أن تشعري في مثل هذه المرحلة بالإحساس بالذنب، والتساؤل عما إذا كنت على صواب فيما اخترت، وما شجعني كثيرا هو أنك حاولت رغم قلقك أن تتحدثي مع والدك، وتشرحي له موقفك، فهذه شجاعة حقيقية تستحقين عليها الثناء.
أولا: هل أنت مذنبة؟
لنكن صريحين في هذه النقطة؛ لأنها بيت القصيد في رسالتك؛ فقرار العودة إلى بلدك لم يكن نزوة أو هروبا، بل جاء لأسباب وجيهة ومتشابكة: الحفاظ على هويتك الدينية في بيئة معادية للحجاب، وراحة والدتك القلقة عليك، وعدم ارتياحك للغة والبيئة المحيطة، وحاجتك للتعافي النفسي قبل الانطلاق مهنيا، وكل هذه أسباب تدل على وعي وليس على تقصير.
يقول الله عز وجل: ﴿ولا تلۡقوا بأيۡديكمۡ إلى ٱلتهۡلكة﴾ (البقرة:195)؛ فالمحافظة على نفسك من الانهيار النفسي واجب لا تفريط، والعاقل من يحمي طاقته ليبني بها مستقبله، أما البحث عن عمل في تخصص تنافسي يستلزم وقتا ومقابلات متعددة، فهذا واقع يعرفه كل من خاض سوق العمل، ولا يعني التقاعس، والجواب المختصر: لا، لست مذنبة.
ثانيا: التعامل مع والدك؛ فمن المهم أن تدركي أن والدك حين يكرر سؤاله عن العمل، فهو في الغالب لا يقصد أن يضغط عليك، بقدر ما يعبر عن قلقه، ومحبته، بالطريقة التي يعرفها، وهذا لا يعني أنه على صواب في أسلوبه، لكنه يساعدك على قراءة الموقف بهدوء أكبر.
وفيما يخص عادته في مشاركة أموركم مع الآخرين، وتأثره بآرائهم: فهذه سمة شخصية راسخة، ومن الصعب تغييرها بالمواجهة المباشرة، وعليه فإن الاستراتيجية الأذكى هي أن تجعلي ما تشاركينه معه محدودا ودقيقا، لا أن تدخلي في جدال حول عادته هذه، وفي الحديث النبوي: "استعينوا على إنجاح حوائجكم بالكتمان"، وهذا ما أنت تفعلينه بالفعل، فاستمري عليه بدون توتر.
من الأساليب العملية التي تعينك في التعامل مع والدك:
- اعطيه إجابة محددة مرة واحدة، وبشكل هادئ، كأن تقولي له مثلا: أبي، أنا أعمل على مشروعي الخاص، وسوق العمل في تخصصي يحتاج وقتا، وأنا بخير، وأموري تمضي على ما يرام، ثم إذا كرر السؤال مرة أخرى، فقولي بنبرة هادئة: أخبرتك يا أبي في المرة الماضية، لا جديد، هذا الأسلوب يقطع حلقة الضغط دون مواجهة.
- لا تبرري أكثر مما ينبغي؛ فكثرة التبرير تفتح الباب لمزيد من الأسئلة، فاجعلي إجاباتك مختصرة، وحازمة باحترام، واختاري أوقات الحوار بعناية، وابتعدي عن محادثته في لحظات التعب أو التوتر، وإذا شعرت بالضيق خلال الحديث فمن حقك أن تقولي بلطف: سنتحدث في وقت آخر.
ثالثا: لقد أشرت إشارة مهمة إلى معاناتك من القلق الاجتماعي، وهذا الأمر يستحق اهتماما خاصا؛ لأنه لا يؤثر فقط في علاقتك بوالدك، بل في مسيرتك المهنية والحياتية كلها، لا نريد أن نسقط في التشخيص، لكن من الحكمة أن تستشيري أخصائية نفسية متخصصة إذا لم تكوني قد فعلت ذلك بعد؛ لأن القلق الاجتماعي حالة قابلة للتحسن بشكل كبير بالدعم المناسب، وطلب المساعدة ليس ضعفا، بل هو حكمة وشجاعة.
ما تعيشينه الآن هو مرحلة بناء وليست ركودا، حتى وإن بدت كذلك من الخارج، فالفترة التي تمرين بها هي فترة تعاف، وتحضير، وإعادة رسم لخارطة الطريق، وهي نعمة لو أدركناها، يقول الله عز وجل: ﴿فإن مع ٱلۡعسۡر يسۡرا، إن مع ٱلۡعسۡر يسۡرا﴾ (الشرح:5-6)، ولا يصادف المرء هذا الوعد الإلهي إلا من خلال المرور في العسر أولا.
وقد قال أحدهم في الصبر والحكمة في التعامل: الصبر أجمل، والتجمل أنسب، والصمت عن كنز اللجاجة أصوب.
وفيما يتعلق بحجابك وثباتك عليه في بيئة معادية، فهذا موقف يستحق الاعتزاز، فقد آثرت هويتك ودينك على راحة دنيوية مؤقتة، وهذا من الثبات الذي يحبه الله، فاستمري على هذا الثبات، وابحثي عن عمل يحقق لك هذه الراحة الإيمانية (ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا)
احرصي على تنظيم يومك؛ بحيث يكون فيه وقت محدد للعمل على مشروعك، ووقت للراحة الحقيقية؛ فالتعافي لا يعني الخمول، بل يعني إعطاء الجسم والنفس حقهما، وتواصلي مع ربك بالدعاء، وخاصة في أوقات الفجر والسحر، فقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا؛ حين يبقى ثلث الليل الأخير فيقول: من يدعوني فأستجيب له"، وحددي هدفا زمنيا واقعيا لمشروعك، أو لبدء البحث الجدي عن عمل، واجعليه في ذهنك لا أمام والدك؛ فهذا سيعينك على الشعور بالتقدم، وابحثي عن بيئة داعمة من صديقات، أو أفراد أسرة يفهمون وضعك؛ فالعزلة تضخم القلق.
نسأل الله أن ييسر أمرك، وأن يشرح صدرك، وأن يهديك سواء السبيل، وأن يرزقك السكينة والثبات في هذه المرحلة، وأن يجعل ما تعيشينه اليوم مقدمة لفتح قريب -بإذن الله-.