السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أنا فتاة مقبلة في بداية فصل الصيف على التحضير للسنة الأخيرة من مرحلة الثانوية العامة، للفرع العلمي، وقد كنت قبل أشهر قليلة متحمسة جدا لأبدأ سنتي التي سيتحدد فيها مصيري الأكاديمي.
أما الآن فقد قل حماسي جدا بسبب تفكيري بمرحلة ما بعد الثانوية، ولا أقصد بهذا قلقا من المستقبل؛ وإنما أفكر بالتخصص الذي سأبني عليه أهدافي في هذه المرحلة؛ لأنه بلا شك مهم، حتى إذا فترت، وضعت هدفي نصب عيني، ولذلك أرغب في استشارتكم بهذا الأمر.
أنا أحب علم النفس، وكل ما يتعلق به، وميولي لهذا التخصص شديدة جدا، وكنت أظن أنني سأظل مصرة عليه، ولكن فجأة غيرت رأيي لأسباب عدة، منها:
أنني أستطيع أن أتعلم عن النفس البشرية، وألبي هذا الشغف من خلال الدورات الإلكترونية، وهذا متوفر بكثرة.
وسبب آخر، وهو الأهم بالنسبة لي: أن هذا التخصص لا يحظى بقبول في بيئتنا العربية، أنا لا أخشى كلام المجتمع، ولكنني أرغب في تعلم تخصصات عديدة، وهذا غير متاح، وسيأخذ وقتا طويلا أكاديميا، لذا قررت أن أعتمد في دراسة علم النفس إلكترونيا من مصادر موثوقة، وصرت أبحث عن تخصص يشابه شخصيتي، ووجدت أن تخصص الهندسة المعلوماتية مناسب لي، وكنت قد قرأت في إحدى الاستشارات لكم تقولون: إن مجال البرمجيات جهاد في هذا العصر.
أما عن رأي العائلة: فأبي يرغب أن أدرس في كلية العلوم الطبية في القسم المخبري، وبمجرد أن فكرت فيه رأيت أنه لا يناسبني هكذا تخصص؛ فأنا أبحث عن شيء أقدم من خلاله نفعا عاما للأمة أجمع، وهذا بلا شك ينفذ من خلال التكنولوجيا في وقتنا الحاضر.
توضيح لفكرتي: بإمكاني أن أجمع كل المسلمين على تطبيق إلكتروني، أما التخصص الذي اختاره أبي يعود بفوائد خاصة لبيئتي المحلية، أما لعموم المسلمين فلا، ولا أعلم ماذا أقول له؟
كما أن أبي كان أول من بدأ بالتحدث عن مرحلة الجامعة، وكل ما سبق من صراعاتي الداخلية لم أتفوه بكلمة منها قط لعائلتي.
أنا الآن في حيرة شديدة، ولا أعلم بماذا أتمسك بالتحديد؟ وأريد نصيحتكم أين أتوجه بأهدافي؟
أشكر جهودكم المبذولة، وفقكم الله، وسدد خطاكم، وبوأكم من الجنة منزلا.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ جويرية حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
نشكركم على تواصلكم معنا، وثقتكم بموقعنا.
فهمنا من رسالتك -ابنتي الكريمة- أنك تقفين على أعتاب مرحلة فارقة في حياتك، وأن قلبك يموج بتساؤلات جدية وعميقة تدل على نضج مبكر، ووعي يستحق الإشادة؛ فكم من شابة في سنك لا تفكر في أكثر من الاختبارات القادمة، أما أنت فقلبك يسكنه هم نفع الأمة، وخدمة المسلمين، وهذا بحد ذاته هبة من الله ينبغي لك أن تصونيها وترعيها.
ولعل ما تمرين به من تردد وحيرة ليس ضعفا، ولا فقدانا للاتجاه، بل هو علامة على أن عقلك يعمل بجدية في مواجهة سؤال حقيقي، وكثيرا ما يكون التوقف عند مفترق الطرق ضرورة قبل المضي في الاتجاه الصحيح.
قال الإمام الشافعي -رحمه الله-:
أخي لن تنال العلم إلا بستة *** سأنبيك عن تفصيلها ببيان
ذكاء وحرص واجتهاد وبلغة *** وصحبة أستاذ وطول زمان
وفيما يلي نعالج محاور رسالتك كلا على حده:
أولا: ما قلته عن إمكانية إشباع شغفك بعلم النفس عبر الدورات الإلكترونية رأي فيه نظر، ونحب أن نكون معك صادقين في هذه المسألة بالذات؛ لأن فيها اعتبارات مهمة، ينبغي أن تعرفيها قبل أن تبني عليها قرارك، وهي:
علم النفس ليس مجرد معلومات ومفاهيم يمكن اكتسابها من الدورات، بل هو منظومة أكاديمية متكاملة، تشمل الممارسة الإكلينيكية، والتدريب المشرف عليه، والتفاعل المباشر مع الحالات، وهذا لا تستطيع أي دورة إلكترونية أن تمنحه للدارس مهما بلغت جودتها؛ فمن أرادت يوما أن تكون معالجة نفسية، أو مرشدة، أو مستشارة، فلا بد لها من الدراسة الأكاديمية المعتمدة، أما من أرادت ثقافة نفسية تعينها على فهم ذاتها، والتعامل مع من حولها، فالدورات مفيدة في هذا السياق.
فابدئي بتحديد هدفك بدقة أكبر: هل تريدين ممارسة علم النفس مهنيا في المستقبل؟ أم تريدين فقط إثراء فهمك للنفس البشرية بوصفه جانبا من شخصيتك؟ إجابتك عن هذا السؤال ستحدد لك ما إذا كانت الدورات كافية أم لا؟
ثانيا: رأيك في أن التقنية في هذا العصر هي الميدان الأوسع لنفع الأمة، رأي سديد لا يختلف عليه المنصفون، ففي زمننا تقوم الحضارات على ما تملكه من قوة تقنية ومعرفية، ومن استطاع أن يبني أدوات تجمع الناس، وتخدمهم، وترفع عنهم ما يعسر عليهم، فقد أدى فريضة الكفاية في أمته.
وحلمك ببناء تطبيق يجمع المسلمين حلم جميل، ولكن ثمة ملاحظة دقيقة نود مشاركتها معك: الأفكار العظيمة تحتاج إلى كفاءة تقنية عالية، ومتطلبات تنفيذية معقدة، وكثير من الشباب الطموح أجهض أحلامه التقنية؛ لأنه دخل المجال دون أن يبني الأساس الأكاديمي المتين، فكوني مثابرة في بناء كفاءتك الهندسية والبرمجية أولا، والأفكار الكبيرة ستكون في انتظارك في نهاية الطريق.
ثالثا: أبوك حين اختار لك هذا التخصص-المختبرات- لم يكن ينطلق من الفراغ، والغالب أنه يريد لك مسارا دراسيا، يضمن لك عملا مستقرا، وذا قيمة في مجتمعك، وهذا من حسن رعايته لك، وهو مشكور على ذلك، وقد قال الله عز وجل: ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا﴾ (الإسراء: 23).
ولكن الإحسان إلى الوالدين لا يعني أن توافقيه في كل أمر دون حوار، بل الحكمة تقتضي أن تطرحي عليه رؤيتك بأسلوب ناضج، وهادئ، ومحترم، وأن توضحي له رغبتك في خدمة الأمة من خلال التقنية، وإن استطعت أن تحضري له أمثلة على خريجات الهندسة المعلوماتية، وما وصلن إليه من إنجازات، وما يقدمنه من نفع، فهذا سيكون أقوى في الإقناع من مجرد إبداء الرأي، واعلمي أن الحوار الهادئ المبني على الحجة يفتح قلوب الآباء أكثر مما تفتحه الإصرارات والمواجهات.
رابعا: من الأمور التي سوف تعينك -بإذن الله- في هذه المرحلة أن تأخذي وقتك في الاستخارة، وسؤال الله التوجيه؛ فكثير من الناس يستعجلون القرار، ويطيلون الحيرة، والصلاة، والدعاء، والاستخارة، ليست طقوسا دينية فحسب؛ بل هي أداة لربط القلب بمصدر الهداية الحقيقية.
ومن المفيد أيضا أن تتحدثي مع متخصصين في كلا المجالين؛ فابحثي عن مهندسة معلوماتية ناجحة، وتحدثي معها عن مسيرتها، وتحدياتها، وانجازاتها، وكذلك مع من عمل في المختبرات الطبية؛ فمعرفة الواقع من مصادره المباشرة أصدق من أي توقعات، أو تصورات مسبقة.
واحرصي على أن تبدئي مبكرا تعلم أساسيات البرمجة عبر منصات موثوقة خلال فصل الصيف؛ فإن أقبل قلبك عليها، ووجدت نفسك فيها، فهذا مؤشر إيجابي، وإن وجدت ثقلا ونفورا فهو أيضا معطى مهم لقرارك.
ولا تنسي -ابنتي- أن ضعف الحماس الذي أشرت إليه في بداية رسالتك، كثيرا ما يكون مؤقتا ومرتبطا بثقل الهم الداخلي، الذي تحملينه وحدك دون أن تشاركي به أحدا من أهلك، فحين تفتحين الحوار مع والديك، وتخففين عن كاهلك هذا الثقل، ستجدين أن الحماس يعود من حيث ذهب.
خامسا: قلت -ابنتي- أنك تريدين النفع العام للأمة، وهذا هدف عظيم ومبارك، ويقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (خير الناس أنفعهم للناس)، فكوني على ثقة بأن كل تخصص تدرسيه بنية النفع وخدمة الدين هو في ميزان حسناتك، والله ينظر إلى النيات قبل الأعمال، وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى).
وتذكري أن نفع الأمة لا يحتكره تخصص بعينه؛ فالطبيب ينفع، وصانع الدواء ينفع، والمبرمج ينفع، والمعلمة تنفع، والمهم أن يكون القلب عامرا بنية الخير حيث حللت.
أسأل الله أن ييسر أمرك، وأن يشرح صدرك، وأن يهديك سواء السبيل، وأن يجعلك من الذين ينفعون أمتهم، ويرفعون راية الإسلام بعلمهم وكفاءتهم.