أشعر باضطراب وتعطُّل في بعض أمور حياتي، فما الحل؟

0 0

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا أبلغ من العمر 43 سنة، وأود أن أحكي عن أمور مررت بها في فترة تعود إلى ما كنت في عمر عشر سنوات، قبل البلوغ، حيث كنت أحيانا أشعر وكأن شيئا ما يسحبني، وكأنني تحت تأثير تنويم مغناطيسي، لا أعلم ما الذي كان يحدث، وقد أدى ذلك إلى أن جعلني أتلعثم في الكلام، ثم شفيت بعد ذلك.

وبعد فترة الدراسة في المرحلة الابتدائية بدأت أشعر بكسل شديد وكراهية للمدرسة، وكأن هناك شيئا يؤثر على تركيزي بشكل سلبي، واستمر معي هذا الشعور من التشتت والشرود وضعف التركيز والنسيان لفترة طويلة، ثم وصف لي طبيب آنذاك دواء على شكل شراب أبيض يشبه الحليب، وكان ثقيل القوام، فحدث تحسن ملحوظ في التركيز، لكنني لم أكمل العلاج ولم أراجع طبيبا بعد ذلك نهائيا.

وبعد فترة بدأت ألاحظ تقلب المزاج بسهولة، ثم شعرت بعد ذلك براحة وتركيز جيد لم أعهده من قبل، فبدأت أدرس وأعمل في المعهد، ونجح المشروع بشكل مبهر، لكن سرعان ما حدث أمر غير مجرى حياتي، ولا أذكر تفاصيل الخلاف بدقة، إلا أنني تعرضت لكدمة قوية فوق الحاجب الأيسر أدت إلى فقدان الوعي ثواني معدودة، ثم عدت إلى المنزل دون حدوث مشاجرة، فقط اصطدام ومغادرة سريعة.

وبعدها، وبينما كنت في طريقي للمنزل، لاحظت رائحة غريبة وغير معتادة في مكان نظيف، وكان حولها بعوض كثير، فمررت من المكان وأنا متأذ من الرائحة، ثم شممتها في البداية دون أن أفهم سببها، ولم يخطر ببالي وقتها أن هناك أمرا غير طبيعي.

لكن مع مرور الوقت بدأت ألاحظ أن بعض الأمور التي فيها منفعة دينية أو دنيوية تتعطل، وأن حياتي تسير بصعوبات متكررة، مع وساوس وأفكار تؤثر على تعاملي مع من أعرفهم، ومع ذلك كنت ألاحظ أن الأعراض تشبه بعض الاضطرابات النفسية، لكنني كنت أميل إلى أنها ليست كذلك، ومع ذلك فإنني أؤمن بفضل الله ورحمته.

وقد رأيت قبل ذلك ثعبانا أسود طويلا تحت الحمام، حين كنت أنظر من شقة مقابلة، وكنت أنادي والدتي لتأتي مكاني، ثم رمشت عيني، وعندما بحثت عنه لم أجده مرة أخرى، ولم يظهر بعد ذلك.

كما أنني لا أعاني من أعراض عند قراءة القرآن، لكن منذ الصغر كنت أرى بعض الأحلام، ثم أصبحت أقل مع الوقت، وكان لدي خشوع في الصلاة رغم أن التزامي لم يكن كاملا، وأحيانا كنت أبكي في الصلاة.

والآن أشعر أحيانا بتأثير داخلي على الأفكار أو الصوت الداخلي بدرجات متفاوتة، مع شعور بأن بعض الأمور في حياتي -مثل الزواج وغيرها-، تتعطل، وأن أسلوب حياتي أصبح سيئا وصعبا، وكأن هناك تسلسلا من التعطيل في مجريات الأمور، مع قلة حيلة وشعور بالإرهاق، ومع ذلك فإنني أحاول التمسك باليقين والتوكل على الله، مع إدراك أن بعض الأفكار قد تكون وساوس أو تفسيرات ذهنية غير دقيقة، وأحرص على طلب العلاج والسعي لتحسين حياتي بقدر المستطاع.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ mahmoud حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نرحب بك في استشارات إسلام ويب، ونسأل الله لك العافية والتوفيق.

أخي، الأعراض التي تحدثت عنها بـدايـة، والتي كانت تأتيك في مرحلة الدراسة، هي في الحقيقة نوع من القلق الظرفي المرتبط بالناحية الارتقائية والتطورية عند الإنسان، والحمد لله اختفى بعد ذلك وأصبحت أمورك طيبة.

والآن أنت تشتكي من بعض التقلبات المزاجية البسيطة، ولكن المشكلة طبعا هو مخاوفك الشديدة جدا حول الأشياء الروحية -إن جاز التعبير-، وأنا أحترم وجهة نظرك كثيرا، ولكن -يا أخي- الإنسان مكرم، والإنسان تحت رحمة الله، والمسلم الذي يتوكل على الله، ويرقي نفسه، ويحافظ على صلواته وأذكاره، وتلاوة القرآن، لا شك أنه في رحمة الله وفي حفظ الله.

فأنا لا أريدك أبدا أن تشغل نفسك بهذا الأمر، ولا أريدك أبدا أن تقع في يد أحد المشعوذين الذين قد يـثـبـت لك هذه المعتقدات التي ليست صحيحة في معظمها.

الذي أنصحك به هو أن تذهب إلى راق معتبر، وأنا متأكد أنه سوف يقرأ عليك وسوف يطمئنك كثيرا، هذا أفضل لك، كما أن الحفاظ على الصلوات على وقتها والأذكار، خاصة أذكار الصباح والمساء، أمر مجرب أنها تصرف هذه المخاوف على الإنسان.

أخي الكريم، تذكر قول الله سبحانه: {فالله خير حافظا وهو أرحم الراحمين}، وقوله تعالى: {قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا}؛ فما دام الأمر كله بيد الله، فلا تدع هذه الأفكار تستنزف وقتك وجهدك، فمثل هذه الاعتقادات قيد ثقيل يعيق مسيرة المرء ويشتت ذهنه، ونصيحتي لك أن تنتفض محررا نفسك من أسر هذا الفكر، وأن تجعل ركيزتك الأولى والأساسية هي ثوابت ديننا الحنيف.

وفي ذات الوقت، يجب أن تشغل نفسك بما هو مفيد، تجتهد في عملك، تقوم بواجباتك الاجتماعية، تمارس الرياضة، يكون لك مساهمات إيجابية على مستوى الأسرة، تطور نفسك فكريا من خلال الاطلاعـات الإيجابية، تبدأ مثل برنامج لحفظ شيء من القرآن الكريم، وهذا كله فيه خير كثير لك، وينقلك -إن شاء الله- تماما من هذا الذي أنت فيه.

وحتى أطمئن عليك تماما، أنا أعتقد أنك محتاج لدواء بسيط جدا يعالج القلق والتوترات الداخلية ويحسن من مزاجك، الدواء اسمه "دوجماتيل - Dogmatil"، هذا هو اسمه التجاري واسمه العلمي "سولبرايد - Sulpiride"-، أنت تحتاج أن تتناوله بجرعة (50 ملغ) صباحا ومساء لمدة شهر، ثم (50 ملغ) مساء لمدة شهرين، ثم تتوقف عن تناوله، هو دواء بسيط جدا، وأنا وددت أن أصفه لك كمكمل للإرشاد النفسي الذي أسديته لك، والدواء طبعا سوف ينزع عنك القلق الناتج من الأفكار التي تعتريك وتشغلك.

بارك الله فيك، وجزاك الله خيرا، وبالله التوفيق والسداد.
_____________________________________________
انتهت إجابة الدكتور/ محمد عبد العليم، مستشار أول للطب النفسي والطب العام.
وتليها إجابة الشيخ الدكتور/ أحمد المحمدي، مستشار الشؤون الأسرية والتربوية.
_____________________________________________

لقد قرأت رسالتك كاملة، وأول ما لفت انتباهي أنك تحاول أن تكون منصفا؛ فلم تجزم بأن السبب سحر، ولم تجزم بأنه اضطراب نفسي، وهذا هو المنهج الصحيح؛ لأن المؤمن لا يبني أحكامه على الظنون، وإنما على البينات.

ونحب أن نجعل الجواب على النحو التالي:

أولا: ما يغلب على الظن أنه يحتاج إلى تقييم طبي: هناك أمور في قصتك تستحق أن يقيمها طبيب مختص، منها:
• التلعثم المفاجئ في الطفولة.
• الشعور كأنك مسلوب الإرادة أو تحت تأثير غريب.
• ضعف التركيز الذي تحسن بصورة واضحة على دواء معين.
• تقلبات المزاج.
• الكدمة فوق الحاجب التي صاحبها فقدان للوعي، ولو ثواني معدودة.

وهذه الجوانب قد أجاب عنها سعادة الدكتور محمد، ونرجو منك العناية بما ذكره؛ فإنها تستحق المتابعة الطبية، ولا ينبغي إهمالها.

ثانيا: هل ما ذكرته دليل على السحر أو العين أو المس؟
• الجواب أننا لا نستطيع أن نجزم بذلك، كما لا نستطيع أن ننفيه؛ إذ ليس في رسالتك دليل قاطع يثبت وجود السحر أو المس، كما أنه لا يوجد ما ينفيه يقينا، ولذلك فالصواب هو أن تتعامل مع الأمرين معا؛ فتأخذ بالأسباب الشرعية، ولا تهمل الأسباب الطبية.

• فرؤية الثعبان ليست دليلا على السحر، وشم رائحة غريبة ليس دليلا عليه، وتعطل الزواج أو كثرة الصعوبات في الحياة لا يصلح واحد منها أن يكون علامة قاطعة على وجود السحر.

• بل قد يكون ما تراه من تأخر بعض أمور الدنيا، من جملة الابتلاء الذي يقدره الله على عباده لحكمة يعلمها سبحانه، وقد قال تعالى: {وعسىٰ أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم}، وكم من إنسان ضاق صدره بتأخر أمر، ثم تبين له بعد سنوات أن الخير كله كان في هذا التأخير.

• ولهذا لا ينبغي أن يجعل الإنسان كل تعثر يمر به دليلا على السحر؛ فإن هذا يفتح بابا واسعا للوهم والوسواس، ويوقع صاحبه في ربط كل أحداث حياته بسبب غيبي لا يملك عليه بينة.

• ونحن نؤمن بأن السحر حق، والعين حق، والمس حق، كما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة، لكن الشرع لم يأذن لنا أن نثبت شيئا من ذلك بمجرد الظنون أو توافق بعض الوقائع، بل أمرنا أن نبني أحكامنا على العلم، فقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم}، وقال سبحانه: {ولا تقف ما ليس لك به علم}.

• ومن تمام التوكل أن يجمع المسلم بين الرقية الشرعية والأخذ بالأسباب الطبية؛ فإن الله سبحانه هو الذي أمر بالتداوي، كما قال النبي ﷺ: تداووا عباد الله، فإن الله لم يضع داء إلا وضع له دواء.

• فالمنهج الشرعي ليس أن نهمل الأسباب الطبية بحجة الاعتماد على الرقية، ولا أن نتعلق بالأسباب المادية ونغفل عن اللجوء إلى الله، وإنما أن نأخذ بالأمرين جميعا، مع يقين جازم أن النافع الضار، والمعطي المانع، والشافي هو الله وحده، فمن استقام على هذا الميزان سلم - بإذن الله - من أوهام الغلو في الأسباب الغيبية، كما سلم من الغفلة عن الأسباب المشروعة.

ثالثا: التنبه لطريقة تفسير الماضي:
• لاحظنا في رسالتك أنك تربط بين أحداث متباعدة زمانيا؛ كضربة الرأس، والرائحة، والبعوض، والثعبان، وتأخر الزواج، واضطراب الأفكار، ثم تجعلها سلسلة واحدة تفسر جميع ما جرى لك.

• وهذا أمر يقع فيه كثير ممن يعانون الضغوط أو القلق؛ إذ يحاول العقل أن يصنع قصة واحدة تجمع أحداثا قد لا يكون بينها ارتباط حقيقي.

• ولهذا ينبغي دائما أن نفرق بين ما نعلمه يقينا، وما نرجحه، وما هو مجرد احتمال أو ظن، وهذا من العدل الذي أمر الله به.

رابعا: ما يبعث على الطمأنينة:
• لفت انتباهنا في رسالتك أمور تدعو إلى التفاؤل، منها أنك لا تجد تأذيا عند قراءة القرآن، وأنك تجد خشوعا في الصلاة، وأنك كنت تبكي فيها، وأنك تحاول مراجعة أفكارك وتصحيحها، بل وصرحت بأن بعض ما يخطر لك قد يكون وساوس أو تفسيرات غير دقيقة، وهذا يدل على وجود قدر من البصيرة والوعي، وهو أمر محمود، نسأل الله أن يزيدك منه.

خامسا: ما ننصحك به ما يلي:
1. المحافظة على الصلوات الخمس في أوقاتها، والإكثار من الأذكار الشرعية صباحا ومساء؛ فإنها من أعظم أسباب حفظ القلب وطمأنينته.

2. الإكثار من قراءة القرآن تعبدا وتدبرا، لا بقصد اختبار وجود السحر أو تتبع الأعراض، بل ليكون القرآن غذاء للقلب وشفاء له.

3. وإن أردت الرقية، فارق نفسك بالقرآن والأدعية الثابتة، دون مبالغة في مراقبة الأعراض أو تعليق كل ما تشعر به عليها.

4. الاستمرار في متابعة الأطباء المختصين فيما يتعلق بالأعراض التي تستدعي التقييم الطبي، والالتزام بخطة العلاج إذا أوصى بها الطبيب.

5. الحرص على صحبة الصالحين، ومجالسة أهل الإيمان والعلم؛ فإن النفس تضعف إذا انفردت، وتقوى بإخوان الصدق، وقد قال النبي ﷺ: المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل.

6. إشغال النفس بما ينفع من علم، أو عمل، أو رياضة، أو مشروع نافع؛ فإن الفراغ بيئة خصبة للوساوس واسترسال الفكر.

7. تقليل العزلة ما أمكن، والمحافظة على التواصل مع الأسرة والأرحام والأصدقاء الصالحين؛ فإن الاستقرار الاجتماعي من أسباب الاتزان النفسي.

8. الإكثار من الدعاء، وخاصة في أوقات الإجابة، وسؤال الله العافية والشفاء والثبات، مع حسن الظن به سبحانه، وعدم استعجال الفرج.

9. إن تيسر لك أداء العمرة، فاجعلها عبادة تتقرب بها إلى الله، لا رحلة لاختبار هل ستزول الأعراض أم لا، بل اذهب بقلب مفتقر إلى الله، راج رحمته، مستكثرا من الدعاء عند بيته الحرام.

10. احرص على النوم المنتظم، وممارسة قدر مناسب من المشي أو الرياضة، والابتعاد عن السهر المفرط؛ لأن انتظام نمط الحياة يعين على استقرار النفس وصفاء الذهن.

11. لا تجعل حياتك تدور حول البحث عن سبب ما تعانيه، بل اجعلها تدور حول السعي فيما ينفعك؛ فإن الانشغال بالغاية أنفع من الانشغال الدائم بتفسير كل ما مضى.

وتذكر دائما أن الله إذا أحب عبدا فتح له أبواب القرب منه، وقد يكون البلاء بابا إلى معرفة الله، لا بابا إلى اليأس منه، فامض في طريقك آخذا بالأسباب الشرعية والأسباب الطبية معا، وأحسن الظن بربك، وأكثر من قول النبي ﷺ: اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي.

نسأل الله أن يمن عليك بالشفاء التام، وأن يشرح صدرك، وييسر أمرك، ويفتح لك أبواب الخير والطمأنينة، والله الموفق.

مواد ذات صلة

الاستشارات