السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
تزوجت من امرأة في مقتبل شبابي، وبعد ثمانية أشهر تطلقنا خلعا لأسباب خاصة، ولعدم خبرتنا في الحياة، وبعد سنتين تزوجت من الثانية، وأنجبنا ثلاثة أطفال، وهي امرأة جيدة، ولم يحصل بيننا أي ضيق أو خصام طوال إحدى عشرة سنة، والحمد لله، وأحبها وأحب أهلها، وعلاقتي طيبة بهم.
ولكن بقي شعوري بتأنيب الضمير تجاه الزواج الأول، لا سيما أن الزوجة الأولى لم تستطع تخطي أمر انفصالنا، فقررت ذات يوم إرجاعها؛ لعل الله يأجرني ويكون ذلك عملا خيرا في صحيفتي، وبالفعل أعدتها، وأنجبت منها أطفالا، ولكن كل هذا كان سرا؛ إذ لم أخبر الزوجة الثانية بالأمر؛ لأنني لم أرغب في جرح مشاعرها أو إيذائها.
لكن في يوم من الأيام علمت الزوجة الثانية بالأمر، وانقلبت حياتي رأسا على عقب، وبدأت تطلب الطلاق، وترفض رفضا قاطعا أن تعيش مع امرأة أخرى، رغم أنني لم أقصر في أي حق من حقوقها، بل على العكس، فهي مدللة، وتعيش في منزل، والأخرى في منزل آخر، وكل واحدة منهما في مكان بعيد عن الأخرى تماما.
ومع ذلك، تصر على الخلع أو الطلاق، بحجة أنها لا تتحمل العيش مع أخرى، ولا تقبل البقاء إلا بطلاق الزوجة التي أعدتها إلى ذمتي.
وأنا أشعر بالحزن، وأقول: ماذا فعلت؟ جبرت بخاطر تلك، ولكنني كسرت خاطر هذه.
بنيت أسرة، ولكنها ستهدم، وألوم نفسي: هل أنا مخطئ؟ أو أنا مذنب؟ وماذا أفعل إن ذهبت وخلعتني، وأخذت الأطفال الذين لا ذنب لهم في أن يعيشوا حياة يكون فيها أبوهم وأمهم مفترقين؟
لم أعد أميز الحق من الباطل، لا سيما أنها تحملني ذنب ووزر ما فعلت، وأهلها معها، ولا يرغبون في أي وساطة.
ماذا أفعل؟ أرجو إرشادي، وجزاكم الله خيرا.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ حسين حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبا بك -أيها الأخ الكريم- في الموقع، ونشكر لك الاهتمام والحرص على السؤال، ونسأل الله أن يهدي هذه الزوجة وأهلها لما يحبه الله -تبارك وتعالى- ويرضاه.
الذي ندعوك إليه هو الصبر، وتأمين مخاوف هذه الزوجة، والاستمرار في إكرامها، والإحسان إلى أهلها، وعدم التقصير في أولادها، وعليها أن تعلم أنه من الناحية الشرعية ليس لامرأة أن تطالب بطلاق اختها، هذا أمر لا يقبله الشرع الحنيف الذي شرفنا الله -تبارك وتعالى- به.
وعلينا جميعا أن ندرك أنه لن تأكل زوجة رزق الأخرى، ولن يأكل أطفال رزق الآخرين؛ فالأرزاق يقسمها الله لنا ولأطفالنا والجميع في بطون الأمهات، والله -تبارك وتعالى- تكفل بالأرزاق.
والرجل الذي عنده أكثر من زوجة عليه أن يحرص على العدل، ويحرص على الإحسان، ويتحمل ما يأتيه من الغيرة، ونسأل الله -تبارك وتعالى- أن يعينك على تجاوز هذه الصعاب.
الذي ندعوك إليه هو:
أولا: الدعاء لنفسك ولزوجتك الأولى وللثانية، بأن يؤلف قلوبكم جميعا، وأن يصلح ذات بينكم، وأن يهدي الجميع إلى ما يحب ربنا ويرضى.
الأمر الثاني: الاستمرار في إكرام هذه الزوجة الرافضة لأختها، والتي تقول أنك سعدت معها ولم تر منها شيئا، فلا تفرط فيها، واحتمل ما يحصل منها؛ فإن الغيرة من طبع النساء، وثق بأنك ستكسب الجولة بإحسانك لها ولأهلها، وبصبرك عليها وعلى أهلها.
وأرجو أن يكون في العقلاء والفضلاء والعلماء من ينبههم إلى الأمر الشرعي، وهو أنه لا يجوز للأولى أن تطالب بطلاق الثانية، ولا يجوز للثانية أن تطالب بطلاق الأولى؛ لأن كل امرأة لها نصيبها، ولها حظها، ولها رزقها، والشرع يطالبك بالعدل، والشرع يطالبك أيضا بالصبر.
إذا كانت هذه الزوجة وفية، وعندك منها أطفال، وفي هذه المدة الطويلة لم تر منها إلا خيرا، وعلاقتك بأهلها كانت جيدة، ستعود الأمور إلى صوابها وإلى نصابها، وطبعا هذا الذي عرفته متأخرا لا شك أنه مؤلم بالنسبة لها، ولكن نحن الذي يحكمنا هو هل هذا الفعل حلال أم حرام؟
والذي ندعوك إليه هو أن تبالغ في الصبر، تبالغ في الإكرام، تبالغ في الإحسان، لا تقصر فيها، ولا في أطفالها، ولا في أهلها، حتى لو أساءوا، عليك أن تتحمل وتقابل الإساءة بالإحسان؛ فإنك بذلك تربح الدنيا والآخرة، ونسأل الله أن يعينك على تجاوز هذه الصعاب.
وننصحك أيضا بأن يكون لك تواصل بالعقلاء، والوجهاء، والفضلاء، والعلماء، ممن لهم كلمة، ضرورة أن يذكروا هذه الزوجة وأهلها، ونؤكد أن الزمن جزء من الحل.
وأيضا تقدر هذه الفورة التي حصلت منها لأن الغيرة -كما قلنا- من طبع النساء، والغيرى أحيانا لا تبصر أعلى الوادي من أدناه، لكن في الاخير ستعود إلى صوابها، وأنت لا تفرط فيها، ولا تهمل أطفالها، ولا تقصر فيها، ولا في أطفال الثانية، ونسأل الله أن يعينك على تجاوز هذه الصعاب، وأن يهدي الزوجة وأهلها إلى ما يحبه ربنا ويرضاه.
وبالله التوفيق والسداد.