السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
عرسي بعد أسبوعين، وأنا مرتبط بامرأتي منذ أكثر من سنة، وعقد قراني كان قبل ستة أشهر.
امرأتي فاضلة جدا وتخاف الله، تصلي وتلتزم بكل شيء، ولكن عندي مشكلة معها؛ وهي أنها بين فترة وأخرى تتغير كليا معي، فتعاملني بطريقة سيئة، ولا تريد الكلام معي ليومين، وتستعمل عبارات مثل: "حل عني"، هذه العبارة بالذات أخبرتها عدة مرات ألا تستعملها، والمشكلة أن مزاحها مع أخواتها بالكلام ثقيل؛ فهي معتادة على هذا الأسلوب.
منذ ثلاثة أيام ونحن لا نتكلم؛ ففي كل مرة أسامحها وأغض الطرف، ولكن هذه المرة أخبرتها أني حزين وسوف أبتعد عنها (أحل عنها) كما طلبت، فقالت لي: "أنا هكذا، وإنسانة لا تعاشر، وأنا..."
فما الذي يفترض بي أن أفعله؟ مع أني أحبها كثيرا، ولكن طريقة الكلام هذه لا أستطيع العيش معها.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ Omar حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
أهلا بك في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله أن يبارك لكما، وأن يجمع بينكما في خير، وأن يؤلف بين قلبيكما، ويرزقكما السكينة والمودة والرحمة، وبعد:
فإن أول ما نحب أن نقوله لك هو ألا تجعل هذه المشكلة وحدها سببا للحكم على مستقبل هذا الزواج، فأنتم لا تزالون في بداية الطريق، وكثير من طباع الإنسان لا تظهر إلا مع كثرة الاحتكاك، بل إن مرحلة ما قبل الزواج كثيرا ما تكون مرحلة يتعلم فيها الطرفان كيف يفهم كل منهما شخصية الآخر.
ويظهر من رسالتك أن المشكلة ليست في أصل الدين ولا في الأخلاق العامة، فقد وصفتها بأنها فتاة فاضلة، محافظة على صلاتها، تخاف الله، وهذا من أعظم ما يطمئن في اختيار الزوجة، وإنما الإشكال في أسلوب التعبير عند الغضب، وهي مسألة تختلف فيها البيئات والتربية والعادات.
ويبدو أيضا أنها نشأت في بيت اعتاد المزاح الثقيل، ورفع سقف العبارات بين الإخوة، حتى أصبحت بعض الكلمات تخرج منها من غير أن تدرك مقدار وقعها على من يسمعها، بينما أنت بطبيعتك تتأذى من هذه العبارات، وتعدها جرحا للمودة والاحترام.
وهنا ينبغي أن تنتبها إلى أمر مهم، وهو أن كثيرا من الخلافات الزوجية لا تنشأ من سوء القلوب، وإنما من اختلاف الطباع ولغات التعبير، فقد تكون هي غاضبة، فتستعمل عبارة اعتادت عليها في بيتها، ثم تنتهي عندها المشكلة بعد ساعات، بينما تبقى أنت تحمل أثر تلك الكلمة أياما؛ لأنها بالنسبة إليك ليست مجرد لفظ، بل رسالة رفض وإهانة، ولهذا لا ننصحك أن تفسر كل عبارة تصدر منها على أنها دليل على أنها لا تحبك، أو أنها لا تصلح للحياة الزوجية، كما لا ننصحها بأن تهون من أثر كلماتها بحجة أنها اعتادت عليها!
وأما قولها: "أنا هكذا، وإنسان لا يعاشر"، فغالب الظن أنه قيل في لحظة انفعال، وليس حكما مستقرا على نفسها، وكثير من الناس يبالغ في وصف نفسه وقت الغضب، ثم يندم بعد هدوئه، لكن هذا لا يعني تجاهل المشكلة، بل محاولة فهم المشكلة والاستماع إليها، فقد تكون فهمت ما لم تقصد أو رأت منك ما أنكرت، وعليه فالاستماع إليها، وفهم المشكلة له دور رئيس في الإصلاح.
وننصحك بالخطوات العملية الآتية:
- لا تفتح هذا الموضوع وهي غاضبة، ولا وأنت متأثر، وإنما اختر وقتا يسوده الهدوء.
- حدثها عن أثر الكلمات عليك، ولا تجعل الحديث بصيغة الاتهام، بل بصيغة المشاعر، كأن تقول: "هذه العبارة تؤلمني، وأشعر معها أن مكانتي عندك تهتز"، بدلا من: "أنت سيئة الأسلوب".
- اتفقا من الآن على قاعدة واضحة، وهي أن الخلاف لا يسمح بالإهانة، ولا بالألفاظ الجارحة، مهما اشتد الغضب.
- إذا غضبت، فأعطها مساحة حتى تهدأ، ولا تطاردها بالرسائل أو الإلحاح على إنهاء المشكلة في اللحظة نفسها، فإن بعض الناس يحتاج إلى وقت ليستعيد هدوءه، وفي المقابل، ينبغي ألا يطول الهجر بينكما، فلتتفقا على ألا يبقى أي خلاف أكثر من يوم، وأن يبادر أحدكما إلى الإصلاح.
- أكثر من الثناء على صفاتها الحسنة، فإن الإنسان إذا شعر بالتقدير كان أقرب إلى تقبل الملاحظات.
ونحب أن ننصحك أيضا بأمر يخصك أنت:
- لا تجعل كل خلاف مقياسا لمستقبل الزواج، ولا تدخل إلى الحياة الزوجية وأنت تتوقع أن تجد شخصية خالية من العيوب، فكل إنسان يحمل معه طباعا تحتاج إلى تهذيب، كما أنك أنت أيضا ستكتشف في نفسك أمورا ستحتاج إلى تعديل.
- الزواج الناجح ليس هو الذي يخلو من الخلاف، وإنما الذي يعرف فيه الزوجان كيف يختلفان دون أن يهدم أحدهما كرامة الآخر.
- إذا وجدت منها دينا، وعفة، وحسن خلق في الجملة، ومحبة لك، ورأيت أن المشكلة محصورة في أسلوب الغضب، فلا تتعجل في تضخيمها، بل اجعلها من أول الملفات التي تتعاونان على إصلاحها بعد الزواج.
نسأل الله أن يبارك لكما، وأن يجعل زواجكما بداية حياة مليئة بالمودة والرحمة، وأن يعين كلا منكما على إصلاح نفسه قبل أن يطالب الآخر بالإصلاح، والله الموفق.