السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أبدأ بالقول بأنني مؤمنة تماما بأن الله عز وجل عدل لا يظلم أحدا، وأن له حكمة بالغة في كل خلق وفعل وقدر، لكن يراودني تساؤل أبحث عن فهمه وطمأنينة قلبي تجاهه.
لقد خلق الله البشر بتنوع في الملامح وألوان البشرة ليناسب بيئاتهم المناخية التي هي من خلق الله سبحانه وتعالى، وكان سبحانه يعلم أزلا أن بعض البشر سيستغلون هذا الاختلاف لوضع معايير جمالية ظالمة، ويجعلون منه سببا للتنمر والعنصرية، واضطهاد شعوب بأكملها، حتى تضررت حياة بعضهم أشد الضرر.
فما الحكمة الإلهية من جعل هذا التنوع الخارجي ساحة لابتلاء البشر، بدلا من خلقهم بملامح متقاربة تحميهم من هذا الأذى، أو مناخ معتدل بحيث لا يكون هناك اختلاف كبير في الملامح يكون سببا في تنمر بعض الأشخاص على غيرهم إلى درجة دفع الضحية إلى الانتحار، أو التسبب له بأذى نفسي يدمر حياته؟
وكيف نفهم التوفيق بين العدل الإلهي المطلق والرحمة الواسعة، وبين ما يتحمله الضحايا من أذى نفسي ودنيوي ناتج عن أفعال الظالمين وسوء اختياراتهم؟
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ هيام حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبا بك -بنتنا العزيزة- في استشارات إسلام ويب، وبداية نشكر لك تواصلك بالموقع، وحرصك على الاستزادة من المعرفة والعلوم، وإزالة الشبهات التي قد تعرض لك، والبحث عن الإجابات عن التساؤلات العلمية الواردة على ذهنك.
وثانيا: نقول -أيتها الكريمة-: إن بحثك عن جواب لهذا التساؤل لا يتنافى أبدا مع إيمانك الجازم بأن الله -عز وجل- عدل لا يظلم أحدا، وإنما هي محاولة لمعرفة الحكمة من وراء بعض أفعاله -سبحانه وتعالى- وهذا لا يضر إيمانك، ولا يؤثر على دينك.
ومع هذا نقول: الحكمة الإلهية من بعض الأفعال قد تكون واضحة بينة، وقد تكون خفية لا يدركها ولا يصل إليها كل أحد من الناس، والعلماء عادة ما يحاولون البحث عن الحكم الإلهية من وراء أفعال الله تعالى وتشريعاته.
وبخصوص هذا الموضوع، وهو حكمة الله تعالى من التنوع في الملامح والألوان البشرية، فقد بين الله تعالى بعضا أو جانبا من الحكمة الإلهية في هذا الفعل، فقال -سبحانه وتعالى- في سورة الروم: {ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين}.
فمن أوجه الحكمة: بيان القدرة الإلهية على خلق الأشياء المتضادة والمتباينة المختلفة، فاختلاف الألوان ليصل إلى درجة بياض في مقابل سواد، واختلاف الألسن وتعددها؛ كل ذلك يدل على تمام القدرة الإلهية وكمال العلم الإلهي، فلا ينشأ ذلك إلا عن علم وقدرة، فهذا جانب من جوانب الحكمة الإلهية في هذا التنوع.
ولم يخلق الله تعالى هذا التنوع ليكون مادة للظلم والتنمر، وسبيلا لتغذية العنصرية واضطهاد بعض البشر لبعض، فلم تكن الحكمة ذلك، لكن قد يقع بعض الناس في استغلال هذا التباين والتفاوت فيجعلوه سببا للتنمر والاضطهاد، ونحو ذلك مما ذكرت في سؤالك، فهذا موضوع آخر.
والله تعالى لم يسلب الإنسان القدرة على الظلم، بل أتاح له القدرة، وأعطاه العلم والمعرفة، وبين له الطريقة الصحيحة التي يتعامل بها مع الأمور، وبين له العواقب والنتائج والنهايات، وأخبره بأنه سيجازيه على اختياره، وأن الظالم لن ينتهي ظلمه بلا جزاء، وأن ظلم المظلوم ليس صفر القيمة، فقال -سبحانه وتعالى-: {ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون}، فإذا اختار الظالم إيقاع الأذى بغيره، فإن الله تعالى يرصد له هذا، ويجازيه عليه، ويحاسبه عليه.
فليست المشكلة في خلق التفاوت، وليس العيب في ذلك، وإنما العيب في إرادة هذا الإنسان الظالم حين اختار الظلم وأخذ بتنفيذه، ولكن الله تعالى له بالمرصاد، فسيجازيه على عمله هذا، وهذا الظالم الذي اختار الظلم بسبب الاختلاف في الألوان أو نحو ذلك، لو لم يوجد هذا الاختلاف فإنه سيختار الظلم لسبب آخر؛ كالطبقة الاجتماعية، والتفاوت في المال، والتفاوت في الجاه والقوة، وغير ذلك من الأسباب.
فليس الحل لإزالة الظلم هو إزالة هذا التفاوت والتباين بين البشر في ألوانهم وبيئاتهم؛ لأن الظالم سيختار طريقا آخر يغذي به رغبته وإرادته في الظلم.
وبهذا يتبين لك أن الله -سبحانه وتعالى- خلق الخلق بحكمة متناهية، وأن أفعاله -سبحانه وتعالى- منزهة ومبرأة من الظلم، ولكنه -سبحانه وتعالى- يرصد أفعال العباد، بعد أن مكنهم وأعطاهم القدرة والإرادة، يرصد أفعالهم ليجازيهم بها؛ فالمظلوم سيأخذ حقه، والظالم سيجازى بظلمه.
نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يزيدك هدى وتوفيقا وعلما ومعرفة.