السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أود أن أسأل عن بعض الأمور التي تشغل عقلي بشأن علاقتي بزوجي، فنحن الآن على حافة الانفصال، وأنا لا أرغب في ذلك.
تزوجت منذ سنة، وعندما خطبوني قالوا لي إنني سأسكن في بيت منفصل عنهم، فهم في محافظة وأنا في محافظتي -وهي سكني الأصلي-، وهم خارج هذه المدينة، والبيت في الأصل منزلهم، لكن يوجد في الجزء الخلفي منه غرفتان ومطبخ وحمام، ولم أعترض على شيء، وقلت: الحمد لله.
وزوجي رجل طيب، وجيد معي في كثير من الأمور رغم تقصيره في بعضها، لكن طوال هذه السنة لا أذكر شهرا مر علينا إلا وكانوا فيه موجودين في منزلنا، فيأتون ويبقون لمدة أسبوع، وأحيانا أكثر، وأحيانا يأتي والده وتذهب أمه وأخته، أو يأتي الوالد ويذهب أخوه.
أشعر أن المنزل بالنسبة لهم كأنه فندق، ولم أعد أحتمل هذا الأمر، وقد تعبت جدا، وكلما قلت لزوجي إنني تعبت، يقول لي: لا شأن لك بهم، لكنني لا أملك أي خصوصية، إضافة إلى أنني غير مرتاحة أبدا في هذا المنزل.
وأنا أيضا أعمل مدرسة، وأترك المنزل وأخرج للدوام، ووجودهم يثقل كاهلي ويتعبني جدا، ولا أجد مكانا أرتاح فيه سوى غرفتي، كما أتقيد في الملبس والحركة وكل شيء، وأنا التي أنظف وأطبخ، ولا أحد يساعدني.
خرجت وجئت إلى بيت أهلي، وقلت له: ليبق هذا المنزل لهم، يرتاحون فيه ويقيمون عندما يأتون، ونخرج نحن إلى سكن مستقل، لكنه يرفض الأمر ويقول لي: لا أستطيع.
وأنا لا أعرف ماذا أفعل، فلا أريد العودة إلى هناك، ولا أريد الانفصال، وخائفة أن أكون قد ظلمته بما فعلت وبما أريده، ولا أريد أن أخسره، ولا أريد أن يقع هو في مشكلات مع أهله.
لكن الله يعلم ما أعانيه، فقد صبرت سنة كاملة على هذه الحال، حتى أوصلوني إلى طريق مغلق، ولم أعد أعرف ماذا أفعل.
أرجوكم أرشدوني، وجزاكم الله كل خير.
الإجابــة
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ هبة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
أهلا بك في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله أن يصلح ما بينك وبين زوجك، ويؤلف بين قلبيكما، ويعينه على بر أهله من غير ظلم لك، ويعينك على حفظ بيتك من غير أن تحملي نفسك ما لا تطيقين.
ومن رسالتك يظهر أن المشكلة ليست في أنك تكرهين أهل زوجك أو تريدين قطعه عنهم، وإنما الصورة التي وافقت عليها عند الزواج كانت في سكن مستقل، ثم أصبح حضور أهله المتكرر وإقامتهم أسبوعا أو أكثر أمرا يكاد يكون جزءا دائما من حياتكما، مع ما يترتب عليه من خدمة وطبخ وتنظيف وتقييد في اللباس والحركة، وأنت فوق ذلك تعملين مدرسة، وعليه فنحن نتفهم المشكلة، ولا نرى أن الحل الصحيح هو دفع الزواج إلى الانفصال، وإنما في أمور تحفظ الحقوق وتراعي المشاعر، وهنا ينبغي التفريق بين أمور عدة:
• أولا: الأصل أن للزوجة حقا في مسكن مناسب تتحقق فيه خصوصيتها وأمنها وراحتها بحسب قدرة الزوج والعرف، ولا يلزم أن يكون المسكن ملكا له، وإنما المقصود تحقق السكن والاستقلال المناسبين، فإذا كان الاتفاق عند الزواج على سكن مستقل، فمن حقك أن تطالبي زوجك بلغة الود بما يرهقك وما هو فوق طاقتك، على أن يكون ذلك بالمعروف.
• ثانيا: أهل زوجك لهم حق عظيم عليه، وبر الوالدين واجب، ومن الجميل أن تستقبليهم وتحسني إليهم، ولكن بره بوالديه لا يعني أن تتحملي - وأنت متعبة - الطبخ والتنظيف لهم أسبوعا بعد أسبوع، لأن الأصل أن ما تفعلينه من خدمتهم وإكرامهم إحسان تؤجرين عليه، وصلة تشكرين عليها، ونرجو أن تكون لك ذخرا وزادا في أولادك، بل وحتى عند زوجك، لكنه في الوقت نفسه ليس واجبا مفروضا عليك.
• ثالثا: قول زوجك لك: لا شأن لك بهم لا يعالج المشكلة، لأن لك شأنا بما يقع داخل المكان الذي تعيشين فيه، إذا ترتب عليه تقييد حركتك ولباسك وراحتك وزيادة خدمتك، وفي الوقت نفسه لا نريد أن يتحول موقفك إلى: إما أنا وإما أهلك، فهذه صيغة ستضعه بين زوجته ووالديه، وقد تدفعه إلى العناد ولو كان أصل شكواك صحيحا.
• رابعا: طلبك الانتقال إلى سكن مستقل ليس في ذاته ظلما لزوجك، ولا إساءة إلى أهله، إذا كان وفق القدرة المادية، ولا يكلفه ضررا لا يستطيع تحمله، فقد قال تعالى: {لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله}، فإن كان يستطيع استئجار سكن مناسب دون مشقة خارجة عن المعتاد، فلتتفقا على ذلك، وليبحث في الأمر بجدية، أما إن كان عاجزا فعلا الآن أو لا يستطيع، فالحل ليس تجاهل معاناتك، وإنما ترتيب الوضع الحالي حتى تتحقق لك الخصوصية التي لا تضر بك ولا توقف بره بأهله.
• خامسا: قبل الوصول إلى الطلاق - عياذا بالله -، ضعا حلا وسطا واضحا، فإن تعذر السكن الجديد الآن، فينبغي أن يتفق زوجك مع أهله بلطف على أن تتبادلوا الزيارات، وألا تكون بهذا الطول، وأن تكون لكما مساحة خاصة لا يدخلها أحد دون استئذان، وألا تتحملي وحدك خدمة المقيمين، وأن يتولى هو جانبا من الطعام والتنظيف أو يجد وسيلة أخرى، وأن يكون لك بعد عودتك من عملك حق في الراحة داخل بيتك، وأن تعينيه أنت كذلك على بره بأهله التماسا للأجر وإظهارا للود.
• سادسا: وجودك الآن في بيت أهلك ينبغي أن يكون فرصة لتهدئة الخلاف وإصلاحه، لا بداية لهجر مفتوح، فإن كنت خرجت لأنك وصلت إلى حد لم تعودي معه قادرة على الاستمرار بالصورة نفسها، فلا تجلدي نفسك وتجعلي ذلك دليلا على أنك ظلمته، ولكن لا تجعلي بقاءك عند أهلك وسيلة للضغط عليه حتى تعودي دون أفق واضح، فالمطلوب جلسة إصلاح جادة تحدد المشكلة والحل.
• سابعا: انتبهي أيضا إلى شيء مهم في لغتك معه، فلا تقولي له إن أهله يتعاملون مع المنزل كفندق، ولا تصفي وجودهم بأنه اقتحام لحياتك، فهذه العبارات ستجرحه في أهله وتبعده عن سماع أصل المشكلة، وقولي له بمعنى واضح: أنا لا أطلب منك أن تبتعد عن والديك، ولا أريد أن أمنعهم من زيارتنا، لكن كثرة الإقامة وطولها، مع عملي وتحمل الخدمة، أفقداني الشعور بأن لي بيتا أستريح فيه، وأفقداني القدرة على استضافتهم بالوجه الذي يليق بك وبهم.
• ثامنا: لا تحولي السنة الماضية كلها إلى قائمة اتهام، فقد ذكرت بنفسك أن زوجك طيب وجيد معك في أمور كثيرة، وهذه نقطة ينبغي الحفاظ عليها، فالمشكلة محددة: السكن والخصوصية وكثرة إقامة أهله وما يترتب عليها، فإذا بقي النقاش داخل هذه الحدود كان إصلاحه أقرب، أما إذا تحول إلى محاكمة لأهله وللسنة كلها فسيصعب الوصول إلى حل.
• تاسعا: إذا لم تستطيعا الاتفاق وحدكما، فاختارا شخصين حكيمين، واحدا من أهلك وواحدا من أهله، ممن يريدان بقاء الزواج ولا ينحازان لمجرد القرابة، قال تعالى: {إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما}، وليكن موضوع الجلسة عمليا: أين ستسكنان؟ وكيف تنظم زيارات الأهل؟ ومن يتحمل خدمتهم؟ وما المدة التي يمكن خلالها الانتقال إن كان الانتقال متعذرا الآن؟
ولا ننصحك الآن بالتفكير في الطلاق ما دام زوجك -كما وصفته- طيبا معك، وبينكما أصل صالح يمكن البناء عليه، فسنة واحدة من الزواج ما زالت مرحلة تتشكل فيها حدود العلاقة بين الزوجين والأسرتين، وقد تكون الأزمة الحالية هي التي تعلمكما كيف تحميان بيتكما دون قطيعة للأهل.
وأنت كذلك لا تطالبي زوجك بأن يختار بينك وبين أهله، بل ساعديه على أن يكون ابنا بارا وزوجا عادلا في الوقت نفسه، فبر والديه لا يكون بإهدار حق زوجته، وحق زوجته لا يستلزم عقوق والديه، وإذا استطعتما الوصول إلى هذا التوازن، فقد تتحول هذه الأزمة من سبب للفراق إلى سبب لنضج زواجكما.
نسأل الله أن يشرح صدرك، ويهدي زوجك إلى العدل والحكمة، ويعينه على بر والديه وحفظ حقك، ويلين قلوب أهله لك، ويرزقكم حلا يحفظ خصوصيتك ولا يقطع رحمه، ويصرف عنكما الطلاق والشقاق، ويجعل بيتكما سكنا ومودة ورحمة، والله الموفق.