خطيبتي تريد شقة خارج بيت العائلة وأنا لا أقدر على ذلك حالياً!

0 0

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

من المفترض أن والدي سيبني لي شقة في بيت العائلة، لكن خطيبتي تريد شقة خارج بيت العائلة، وأنا لا أرى أنني أستطيع شراء شقة خارج البيت، ولا أستطيع العيش بالإيجار؛ لأنني سأظل طوال حياتي متعبا وأعاني ماديا.

وأقول لها: لنبدأ حياتنا في الشقة الموجودة في بيت العائلة، فأنا أؤمن لها حياة سعيدة، وسنكون مرتاحين ماديا، بالإضافة إلى أن أبي وأمي لا يطلبان منها أن تفعل لهما أي شيء.

لكنها تراني الآن شخصا لا يسعى من أجلها، وأنني لم أفعل شيئا لأجلها ولا أحاول، وأنني بعتها، وأنها مصدومة في، فما الذي من المفترض أن أفعله من وجهة نظركم؟

وشكرا.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ محمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أهلا بك في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله أن ييسر زواجك، وأن يؤلف بين قلبك وقلب خطيبتك، وأن يرزقكما الحكمة وحسن التفاهم، وأن يبارك لكما في الرزق والحياة.

أخي الكريم، المشكلة التي تذكرها ليست مجرد خلاف على مكان السكن، وإنما هي اختلاف بينكما في ترتيب الأولويات؛ فأنت تنظر إلى القدرة المالية والاستقرار وتجنب الديون والأعباء، بينما تنظر خطيبتك إلى الاستقلال والخصوصية والشعور بالأمان في بيت لا يتدخل أحد في شؤونه، وكلا الاعتبارين له وجاهته، والخطأ أن يفسر أحدكما موقف الآخر على أنه دليل على قلة المحبة أو عدم الاستعداد للتضحية.

ولبيان ذلك ننصحك بما يأتي:

• أولا: من حق الزوجة شرعا أن يكون لها مسكن مناسب تتحقق فيه خصوصيتها واستقلالها، ولا يلزمها أن تسكن مع أهل الزوج في مسكن مشترك يطلع فيه الآخرون على خصوصياتها أو يشاركونها مرافقها دون رضاها، والله تعالى قال: {أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم} [الطلاق:6]، وقال سبحانه: {لينفق ذو سعة من سعته ۖ ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله} [الطلاق:7].

لكن ينبغي التفريق بين السكن مع أهل الزوج في شقة واحدة، وبين السكن في شقة مستقلة داخل بيت العائلة؛ فإذا كانت الشقة مستقلة بمرافقها، وتحفظ للزوجة خصوصيتها، ولا يملك الأهل الدخول إليها أو التدخل في شؤونها دون إذن، فقد تحقق المقصود الشرعي من المسكن المستقل، ولا يشترط أن تكون في بناية بعيدة عن أهل الزوج.

ومع ذلك، فإن وجود الاستقلال في البناء لا يضمن وحده الاستقلال في الحياة؛ فقد تكون الشقة مستقلة تماما، لكن كثرة التدخلات أو توقعات الأهل تجعل الزوجة تشعر بأنها تعيش تحت المراقبة، ولذلك ينبغي معرفة ما تخشاه خطيبتك تحديدا.

• ثانيا: لا نرى أنك مخطئ لمجرد أنك لا تستطيع شراء شقة خارج بيت العائلة أو تحمل إيجار يستنزف دخلك سنوات طويلة، فالزواج لا ينبغي أن يبدأ بتكاليف تفوق القدرة، ولا يصح أن تقاس محبة الرجل لخطيبته بمقدار ما ينفقه فوق استطاعته، وقد قال النبي ﷺ: إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه؛ ومن إتقان بناء الأسرة أن يحسن الإنسان تقدير موارده، وألا يحمل نفسه التزامات مالية قد تنعكس بعد ذلك على استقرار بيته.

فإذا كان والدك سيوفر لك شقة مناسبة دون أن تتحمل أعباء مالية كبيرة، فهذه نعمة تستحق الشكر، وفرصة لبداية مستقرة، وليست دليلا على أنك لا تجتهد من أجل خطيبتك.

• ثالثا: وفي المقابل، لا ينبغي أن تنظر إلى رغبتها في السكن خارج بيت العائلة على أنها مجرد تعنت أو عدم تقدير لظروفك؛ فقد تكون لديها مخاوف من تدخل الأهل، أو كثرة الزيارات، أو المقارنة بينها وبين غيرها، أو الشعور بأنها مطالبة بخدمة والديك وإرضائهما باستمرار.

وقولك إن والديك لا يطلبان منها خدمتهما أمر طيب، لكن الطمأنينة لا تتحقق بالوعود العامة وحدها، وإنما بوجود حدود واضحة تحترم خصوصية الزوجين؛ لذا اسألها بهدوء: هل ترفضين الشقة لأنها داخل بيت العائلة مهما كانت مستقلة، أم لأنك تخشين تدخل أهلي في حياتنا؟

فإن كان السبب هو الخوف من التدخل؛ فقد يكون علاجه في وضع ضوابط واضحة، لا في تحمل أعباء شراء شقة جديدة.

• رابعا: ينبغي أن توضح لها أن الاجتهاد من أجل الزوجة لا يعني بالضرورة شراء مسكن مستقل خارج بيت العائلة، وإنما يعني بذل الوسع في توفير حياة كريمة وآمنة ومستقرة؛ فقد يجتهد الرجل في العمل والادخار، ويختار السكن المتاح حتى يستطيع الإنفاق على بيته دون ديون، وهذا من حسن التدبير، لا من التقصير، وفي الوقت نفسه، لا تجعل حديثك معها مقتصرا على أنك ستوفر لها الراحة المالية؛ لأن المرأة تحتاج إلى الشعور بأنها شريكة في القرار، وأن مخاوفها تؤخذ بجدية، لا أن المطلوب منها مجرد قبول ما تراه أنت مناسبا.

• خامسا: ننصحك بأن تعرض عليها حلا عمليا واضحا: أن تبدأ حياتكما في الشقة التي يوفرها والدك، بشرط أن تكون مستقلة تماما، مع الاتفاق على احترام الخصوصية وعدم تدخل الأهل في شؤونكما، وأن يكون دخولهم وزياراتهم بالتنسيق معكما.

ويمكن أن تتفقا كذلك على مراجعة موضوع السكن بعد مدة مناسبة، إذا تحسنت الظروف المالية، دون أن تعدها وعدا قاطعا بشراء شقة خارجية لا تعلم هل تستطيع الوفاء به؛ فهذا يجمع بين مراعاة إمكاناتك المالية والاعتراف بحاجتها إلى الاستقلال.

• سادسا: أما قولها إنك لم تجتهد من أجلها وإنك تخليت عنها، فلا نرى أن هذه الأحكام عادلة لمجرد اختلافكما حول السكن؛ فالعجز عن تحقيق رغبة معينة ليس تخليا، كما أن عدم القدرة المالية ليس دليلا على ضعف المحبة.

لكننا ننصحك ألا تدخل معها في جدال لإثبات أنك تحبها أكثر مما تظن، وإنما بين لها ما تستطيع فعله وما لا تستطيع، واطلب منها أن تناقش الإمكانات الواقعية بدلا من تفسير موقفك عاطفيا؛ فالحياة الزوجية لا تستقيم إذا أصبح كل اختلاف في الرأي امتحانا للمحبة، وكل عجز عن تحقيق رغبة دليلا على عدم الاهتمام.

• سابعا: إذا كانت خطيبتك تشترط السكن خارج بيت العائلة، وأنت لا تستطيع توفيره الآن، فمن الأفضل أن يتضح ذلك قبل الزواج، لا أن تتزوجا على أمل أن يتنازل أحدكما بعد ذلك تحت ضغط الواقع؛ فليس من الحكمة أن تعدها بما لا تملك، ولا أن توافق هي على السكن وهي تضمر رفضه وتنتظر تغييره بعد الزواج، والوضوح الآن -وإن كان مؤلما- أرحم من خلاف مستمر بعد الزواج.

وننبه هنا إلى أن الزواج يقوم على المودة والرحمة، لكنه يحتاج أيضا إلى قدر من التوافق في تصور الحياة، والسكن المقصود في الآية أوسع من مجرد الجدران؛ فهو طمأنينة النفس، واستقرار العلاقة، والشعور بالأمان؛ ولذلك ينبغي أن يكون اختيار المسكن وسيلة لتحقيق هذه المعاني، لا سببا لهدمها قبل أن تبدأ الحياة الزوجية.

والخلاصة أننا لا نرى أنك مقصر لمجرد رفضك تحمل تكلفة شقة لا تقدر عليها، كما لا نرى أن خطيبتك مخطئة لمجرد رغبتها في السكن بعيدا عن بيت العائلة، لكن من حقها أن تطلب الخصوصية والاستقلال، ومن حقك أن تبين حدود قدرتك المالية، وليس من حق أحدكما أن يحمل الآخر ما لا يطيق أو يتهمه بقلة المحبة لمجرد اختلافه معه.

فإن أمكن الاتفاق على شقة مستقلة في بيت العائلة مع ضمان الخصوصية واحترام الحدود؛ فذلك حل مناسب، وإن أصرت على السكن خارجه، ولم تكن قادرا عليه، فليكن القرار واضحا قبل الزواج، دون وعود غير واقعية أو اتهامات متبادلة.

نسأل الله أن ييسر أمركما، وأن يشرح صدريكما لما فيه الخير، وأن يرزقكما حسن التفاهم والتقدير، وأن يبارك لك في مالك وعملك، وأن يجعل زواجكما قائما على المودة والرحمة والتعاون، وأن يصرف عنكما أسباب الشقاق والخلاف، والله الموفق.

مواد ذات صلة

الاستشارات