معنى قول: يلعن خيره، وأحكام متعلقة به

0 336

السؤال

ما حكم قول: يلعن خيره؟ وما معناها؟ وهل تصل إلى الكفر؟. 

الإجابــة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

اللعن: الإبعاد والطرد من الخير، وقيل: الطرد والإبعاد من الله، ومن الخلق السب والدعاء ـ قاله ابن منظور ‏في اللسان.

وفي الموسوعة الفقهية: ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي.

وهو كذلك، فقد قال الشيخ ‏بكر في المناهي اللفظية: وفي الشرع: الطرد والإبعاد عن رحمة الله تعالى.

والخير ضد الشر، وهذا التركيب: يلعن خيره ـ عبارة تستعملها العامة لا بمعنى الدعاء على خير الشخص المضاف إليه، بل ‏هي غالبا ما تسعمل بأحد إطلاقين: إما تعجبا على نحو قول العرب: قاتله الله ما أشجعه، وهوت أمه ما أرجله ـ ‏إذا ظهر منه ما يستدعي التعجب، وإما إخبار لبيان مبلغ الأذى الذي لحق إنسانا ما من آخر فيقال: لعن خيره ـ يعني ‏أضره إضرارا بليغا. وكلا الاستعمالين لا يقصد به السب والطرد أو الدعاء على الشخص الملعون خيره ـ كما هو ظاهر ـ خاصة وأن العامة تقولها بدون إسناد اللعن إلى لفظ الجلالة، وهذا أبعد عن ‏المأثم، لئلا يكون في ذلك تقول على الله تعالى، كما حذر منه الإمام الغزالي في الإحياء فقال: فإن في اللعنة خطرا، ‏لأنه حكم على الله عز وجل بأنه قد أبعد الملعون، وذلك غيب لا يطلع عليه غير الله تعالى.‏

وينبغي تجنب هذه الألفاظ المشتملة على مادة اللعن وإن لم يقصد المتكلم المعنى اللغوي أو الشرعي، لأن المسلم لا يكون لعانا، ولا يكون اللعان صديقا، ولأن اللفظ ‏يبقى له مدلوله اللغوي والشرعي المتوارد على الأذهان متبادرا من أصل مادة اللعن فيهون خطره في القلوب ويسهل تداوله على الألسنة في غير المورد ‏المذكور، ولذلك شاع اللعن في زماننا وصار فاكهة مجالس السفهاء، وطال الآباء والأمهات، بل الدين ـ والله المستعان ‏‏ـ ولأن إطلاق أدلة النهي عن اللعن وذم اللعانين تشمل لعن الأشياء ـ كما سنسوق بعضها ـ وإن كان مراد المتكلم معنى آخر من باب ‏الكناية أو النقل، لأن الحكم له تعلق باللفظ وليس متعلقا فقط بمراد المتكلم محضا، ولذلك نهى الله المؤمنين عن قول راعنا سدا ‏للذريعة وإن كان مرادهم معنى صحيحا، فقد قال تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا ‏وللكافرين عذاب أليم  {البقرة: 104}.

قال القنوجي في فتح البيان: وفي ذلك دليل على أنه ينبغي تجنب الألفاظ المحتملة ‏للسب والنقص؛ وإن لم يقصد المتكلم بها هذا المعنى المفيد للشتم سدا للذريعة ودفعا للوسيلة، وقطعا لمادة المفسدة ‏والتطرق إليه.

وإن تعلق اللعن بجماد أو حيوان، فقد نص الشافعية على أنه لا يجوز لعن الحيوان والجماد، كما في إحياء علوم الدين والأذكار، ومن ذلك: حديث عمران بن حصين، قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض ‏أسفاره، وامرأة من الأنصار على ناقة، فضجرت فلعنتها، فسمع ذلك رسول الله صلى الله ‏عليه وسلم فقال: خذوا ما عليها ودعوها، فإنها ملعونة ـ قال عمران: فكأني أراها الآن ‏تمشي في الناس، ما يعرض لها أحد. رواه مسلم.

ومن ذلك أيضا ما ورد في سنن أبي داود عن أم ‏الدرداء قالت: سمعت أبا الدرداء، يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن العبد إذا لعن شيئا صعدت اللعنة ‏إلى السماء فتغلق أبواب السماء دونها، ثم تهبط إلى الأرض فتغلق أبوابها دونها، ثم تأخذ يمينا وشمالا، فإذا لم تجد ‏مساغا رجعت إلى الذي لعن، فإن كان لذلك أهلا وإلا رجعت إلى قائلها. حسنه الألباني.

فمن قال تلك الكلمة المسئول ‏عنها: يلعن خيره ـ لا يأمن من أن ينال الشيء الملعون شيئا يستدعي هجرا كما في الدابة المذكورة في حديث مسلم، أو ترجع اللعنة ‏عليه كما في حديث أبي داود هذا، ولا يلزم من قول: يلعن خيره ـ ما يقتضي كفر اللاعن ولا الملعون خيره، لأن اللاعن لم يتقول على الله، ‏إذ لم يسند اللعن إليه، كما نوه إليه الإمام الغزالي آنفا، ولأن الملعون لم يأت ما يوجب كفره، ومجرد الإعجاب بالشخص أو الإخبار عن خيره ‏بالهلاك لا يقتضي كفره، ولأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: لعن المؤمن كقتله. متفق عليه.

وقتل المؤمن ‏وهو المشبه به ليس كفرا، فكيف بالأدنى وهو اللعن، وهو المشبه؟ وإنما نص العلماء على كفر من لعن نبيا أو ‏رسولا، كما في المناهي اللفظية للشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد، أما الكفر بلعن جماد: فلم نقف على قائل به.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

الصوتيات