حكم سؤال أحبار اليهود عن أمور متعلقة بالكون والخليقة

0 318

السؤال

يوجد في بعض البلدان العربية وضمن طوائف يهودية معينة علماء وأحبار يهود متعمقون في العلم, فانطلاقا من مبدأ أن اليهود يملكون العلم والحق لكنهم يخفونه ويستكبرون عن اتباعه لغرض في نفوسهم, فهل يجوز للمسلم أن يسألهم عن أمور متعلقة بالكون والخليقة مثلا إن وجد منهم من يصدق في التبليغ على أن لا يصدقهم ولا يكذبهم؟ وكيف نفسر سؤال النبي صلى الله عليه وسلم لبعض أحبار اليهود في الجزيرة عن أمور؟ وسؤال عمر لكعب الأحبار مما هو فيه عودة لعلوم اليهود ولما جاء في كتبهم؟.
وجزاكم الله خيرا.

الإجابــة

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فيجب أن يعتقد المؤمن أن الكتاب والسنة كافيان لكل ما يحتاجه العبد في مصالح دينه أو دنياه، فقد روى الطبراني عن أبي ذر قال: تركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وما طائر يقلب جناحيه في الهواء إلا وهو يذكر لنا منه علما. صححه الألباني.

وراجع للفائدة الفتوى رقم: 231136.

وبالتالي، فلا حاجة إلى سؤال هؤلاء فيما يتعلق بالدين، ولذلك بينا في الفتوى رقم: 14742، أنه يحرم على العامي مطالعة الكتب السماوية السابقة، وإنما يجوز لأهل العلم سؤالهم لا للتصديق، وإنما للاعتبار أو إقامة الحجة عليهم.

وقد بينا موقف المسلم من الإسرائيليات في الفتوى رقم: 143441، وفيها جواز الإخبار ببعض ما لم يعلم كذبه.

فسؤال النبي صلى الله عليه وسلم لليهود، وسؤال عمر من هذا الباب، فهم لم يسألوهم للتصديق، وإنما لاختبار هذه المعلومات، ولذلك هم كذبوا بعض هذه الأخبار، وبعض الأخبار تبقى محتملة للصحة، وراجع الفتوى رقم: 236278

فقد روى البخاري، عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: لما فتحت خيبر أهديت للنبي صلى الله عليه وسلم شاة فيها سم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اجمعوا إلي من كان هاهنا من يهود، فجمعوا له، فقال: إني سائلكم عن شيء، فهل أنتم صادقي عنه؟ فقالوا: نعم، قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: من أبوكم؟ قالوا: فلان، فقال: كذبتم، بل أبوكم فلان، قالوا: صدقت، قال: فهل أنتم صادقي عن شيء إن سألت عنه؟ فقالوا: نعم يا أبا القاسم، وإن كذبنا عرفت كذبنا كما عرفته في أبينا، فقال لهم: من أهل النار؟ قالوا: نكون فيها يسيرا، ثم تخلفونا فيها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اخسئوا فيها، والله لا نخلفكم فيها أبدا، ثم قال: هل أنتم صادقي عن شيء إن سألتكم عنه؟ فقالوا: نعم يا أبا القاسم، قال: هل جعلتم في هذه الشاة سما؟ قالوا: نعم، قال: ما حملكم على ذلك؟ قالوا: أردنا إن كنت كاذبا نستريح، وإن كنت نبيا لم يضرك.

والشاهد أن النبي صلى الله عليه، وسلم علم كذبهم، ولم يكن سؤاله لهم سؤال مسلم بالجواب، وروى أحمد عن عبيد بن آدم، قال: سمعت عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ يقول لكعب: أين ترى أن أصلي؟ فقال إن أخذت عني صليت خلف الصخرة، فكانت القدس كلها بين يديك، فقال عمر رضي الله عنه: ضاهيت اليهودية، لا، ولكن أصلي حيث صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتقدم إلى القبلة فصلى ثم جاء فبسط رداءه فكنس الكناسة في ردائه وكنس الناس. حسنه ابن كثير وأحمد شاكر، وقال شعيب الأرنؤوط: إسناده ضعيف.

فعمر سأله، وخطأه فيما قال، بل رد عليه.

وروى ابن أبي شيبة عن عامر قال: انطلق عمر إلى يهود فقال: أنشدكم الله الذي أنزل التوراة على موسى, هل تجدون محمدا في كتبكم؟ قالوا: نعم, قال: فما يمنعكم أن تتبعوه؟ فقالوا: إن الله لم يبعث رسولا إلا كان له من الملائكة كفيل، وإن جبرائيل كفيل محمد, وهو الذي يأتيه, وهو عدونا من بين الملائكة, وميكائيل سلمنا, فلو كان ميكائيل هو الذي يأتيه أسلمنا قال: فإني أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى, ما منزلتهما من رب العالمين؟ قالوا: جبرائيل عن يمينه وميكائيل عن يساره, قال عمر: فإني أشهد ما يتنزلان إلا بإذن الله, وما كان ميكائيل ليسالم عدو جبرائيل, وما كان جبرائيل ليسالم عدو ميكائيل، فبينما هو عندهم إذ جاء النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: هذا صاحبك يا ابن الخطاب، فقام إليه فأتاه وقد أنزل عليه: من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله {البقرة: 97} إلى قوله: فإن الله عدو للكافرين {البقرة: 98}.

قال ابن تيمية رحمه الله: والعلم إما نقل مصدق عن معصوم، وإما قول عليه دليل معلوم، وما سوى هذا فإما مزيف مردود وإما موقوف لا يعلم أنه بهرج ولا منقود، فهذه الإسرائيليات من هذا الباب، منها ما لا يعلم كونه بهرجا ـ زيفا ـ أو منقودا ـ صالحا.

هذا عن سؤالهم فيما يتعلق بما عندهم من بدء الخليقة، وأما إن كان المقصود سؤالهم عن الأمور العلمية الكونية، فلا اختصاص لهم بذلك، وإنما علمهم وكتمانهم لما في التوراة، لا أن لهم علما بالحقائق الكونية، التي مدارها على التجربة.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

الصوتيات

المكتبة