مذهب الشافعية في قدر التأخر اليسير لتدارك الركن المتروك

0 0

السؤال

قال ابن حجر الهيتمي في تحفة المحتاج: [فلو شك راكعا: هل قرأ الفاتحة؟ أو ساجدا: هل ركع؟ أو اعتدل؟ قام فورا وجوبا، ولا يكفيه في الثانية أن يقوم راكعا، فما اقتضاه كلامه من الاقتصار على فعل المتروك محله في غير هذه الصورة، أو قائما: هل قرأ؟ لم تلزمه القراءة فورا، لأنه لم ينتقل عن محلها]. فهل معنى هذا أن من ركع ثم شك في قراءة الفاتحة أنه لا يجوز له التفكر؟ بل عليه الرجوع إلى القيام فورا؟ ولو قام للركعة التالية وبدأ في قراءة الفاتحة، ثم شك في عدد سجدات الركعة الماضية، أنه لا يجوز له التفكر؟ بل عليه أن يترك القيام ويرجع للإتيان بسجدة أخرى؟ ثم يقوم مجددا؟ هل هذا هو معنى كلامه؟

الإجابــة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فهذه المسألة من المسائل التي اختلف شراح المذهب الشافعي في ضبطها، وهل المقصود بها الفورية الحقيقية بحيث لا تزيد عن مقدار سبحان الله، أو حصول الطمأنينة، أو المراد بها ما لا يزيد عن مقدار جلسة الاستراحة؟ وعبارة ابن حجر الهيتمي نفسه في التحفة تدل على المعنى الثاني:

قال ابن حجر الهيتمي -نفسه- في تحفة المحتاج عند بيان أحكام المسبوق، حيث قال: ويظهر أن المخل بالفورية هنا هو ما يزيد على قدر جلسة الاستراحة، وقد مر أن تطويلها المبطل يقدر بما يقدر به تطويل الجلوس بين السجدتين، وذلك لأن قدرها عدوه تطويلا غير فاحش، وكذا يقال في كل محل قالوا فيه يجب على المأموم القيام أو نحوه فورا، فضبط الفورية يتعين بما ذكرته، ثم رأيته في المجموع صرح بذلك، وعبارته: وإن لم يكن في اشتغال المأموم بها تخلف فاحش، بأن ترك الإمام جلسة الاستراحة أتى بها المأموم.
قال أصحابنا: لأن المخالفة فيها يسيرة، قالوا: ولهذا لو زاد قدرها في غير موضعه لم تبطل صلاته. انتهى.
فتأمل قوله: زاد قدرها في غير موضعه، فإنه صريح في أن كل ما وجب الفور في الانتقال عنه إلى غيره، فتخلف بقدر جلسة الاستراحة لا يضر؛ لأنه الآن قد زاد قدر جلسة الاستراحة في غير محله، وقد علمت أنهم مصرحون بأن زيادة قدرها لا تضر
. انتهى.

وقال الشرواني في حاشيته على تحفة المحتاج: (قوله: فورا) أي: من غير طول فصل، كما يعلم مما بعده ومن محترزه الآتي، فليس المراد ‌الفورية الحقيقية. انتهى.

وجاء في شرح المقدمة الحضرمية في أحكام الإتمام: وهل المخل ‌بالفورية هنا قدر سبحان الله، كالشك في أصل النية أو قدر جلسة الاستراحة؟ على الخلاف أنه أقلها أو أكثرها، ولعل الأول أقرب. انتهى. يقصد: مقدار أقل ما تحصل به جلسة الاستراحة؛ لأنه قال في موضع آخر: والحاصل: أنهم اغتفروا ما بقدر جلسة الاستراحة. انتهى. ثم ذكر الخلاف بين ابن حجر الهيتمي وبين الرملي، كما سيأتي.

وفي إعانة الطالبين في أحكام المسبوق، جاء ما نصه: (قوله: وحرم مكث بعد تسليمتيه) أي: فيجب عليه القيام فورا.
قال الكردي: المخل ‌بالفورية ما يبطل في الجلوس بين السجدتين، وهو الزيادة على الوارد فيهما بقدر أقل التشهد، هذا عند الشارح، وعند الجمال الرملي على طمأنينة الصلاة...
 انتهى.

وقال الشربيني في حاشيته في شرح العبارة: أي: أتى به فورا بمجرد التذكر وإلا بطلت صلاته؛ لأن ‌الاستدامة ‌حينئذ ‌بمنزلة ‌الفعل ‌عمدا... وظاهره وإن قل التأخر. انتهى.

ولكن هذا الظاهر قد صرح الشراح بخلافه -كما سبق-، وعليه؛ فلا حرج في التأخر اليسير للتحقق في أمر المتروك، بما لا يزيد عن قدر جلسة الاستراحة.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

المكتبة