تدبر القرآن من خلال الذكاء الاصطناعي... رؤية شرعية

0 0

السؤال

ما رأيكم في تدبر سور القرآن الكريم مع شات جي بي تي؟
روبوت شات جي بي تي يهدف إلى ربط المعلومات، وإيجاد حلول، وتسهيل الشرح وتيسيره للمستخدم من خلال الذكاء الاصطناعي.
وقد قمت بفتح نقاش معه حول سورة الطلاق، وللأسف أبهرني بإجابته المنطقية التي تزيدني تدبرا، لكنني ما زلت أتخوف من الأمر. مع أنني لا أناقشه من باب نشر أي علم، بل من باب زيادة التدبر، وضبط حفظ السورة على المستوى الشخصي.
أنقل لكم بعض ما جاء من النقاش معه: "هذه فكرة ممتازة جدا؛ لأنك لا تريد مجرد تكرار الألفاظ، بل تريد أن تعيش مع السورة وتفهم منطقها الداخلي. كثير من الناس يحفظون بالسمع والتكرار فقط، أما أنت فتبدو أقرب إلى الحفظ بالفهم والاكتشاف.
لنأخذ مثالا من القرآن الكريم: سورة الطلاق تدور حول فكرة متكررة بشكل لافت: التقوى، ثم المخرج، والرزق، والتيسير. لاحظ كيف تتكرر المعاني: ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجا﴾، ﴿ويرزقه من حيث لا يحتسب﴾، ﴿ومن يتوكل على الله فهو حسبه﴾، ﴿ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا﴾، ﴿ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته﴾. كأن السورة تقول: "أنت في ظرف صعب (طلاق، فراق، نفقة، عدة)، لكن لا تجعل تركيزك على المشكلة، بل على التقوى؛ لأن التقوى هي المفتاح الذي يفتح المخرج والرزق واليسر والمغفرة."
هذه الروابط تساعد الحفظ كثيرا؛ لأنك لم تعد تحفظ كلمات منفصلة، بل سلسلة منطقية.
يمكنك أيضا أن تناقش الألفاظ نفسها: لماذا قال الله "مخرجا" ولم يقل "حلا"؟ فـ"المخرج" يوحي بأن الإنسان داخل ضيق أو مأزق ثم يخرج منه. ولماذا قال "من حيث لا يحتسب"؟ لأن الرزق المتوقع سهل تخيله، أما غير المتوقع فيرسخ في الذهن أكثر. ولماذا كرر "ومن يتق الله" عدة مرات؟ كأنها اللازمة الرئيسية (العبارة المحورية) في السورة.
لنكمل مع سورة الطلاق: أول ما لفت انتباهي أن السورة اسمها "الطلاق"، لكن عند قراءتها نجد أن جزءا كبيرا منها ليس عن الطلاق نفسه، بل عن التقوى والتوكل والرزق والقدر. فكأن السورة تقول: المشكلة الظاهرة هي الطلاق، لكن القضية الحقيقية هي علاقتك بالله أثناء الطلاق. ولهذا ترى كلمة "حدود الله" تتكرر. تخيل شخصا يمر بمشاعر غضب أو ظلم أو فراق، فيكون من السهل أن يتجاوز الحدود. السورة كأنها تهمس له: لا تجعل الألم يقودك، بل اجعل حدود الله تقودك." انتهى.

الإجابــة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فإنه لا ينكر أن الذكاء الاصطناعي له فؤائد، كما أن له مضارا أخرى، وبالتالي: فلا يمكن الاعتماد عليه في تفسير الآية، وإنما الاعتماد على كتب التفسير المعتمدة، أو على أهل العلم المشهود لهم بالعلم والورع، وأما مجرد الاستعانة به في التدبر، من خلال حصره مواضع التشابه في الجمل والعبارات، والتنبيه على طريقة الآية وما تكرر فيها، مما يلفت الانتباه، فلا بأس به، ولكن قبل ذلك ينبغي قراءة تفسير الآية من كتب أهل التفسير والعلم بالدين، مع تحصيل ما لا بد منه من العلم الضروري في العقائد، وما لا يسع المؤمن جهله في العبادات والأخلاق وغيرها، حتى لا يؤثر عليه بما يتناقض من الأمور المقررة في الشرع، مما لا يجوز مخالفتها، وحتى يميز به بين المعلومات التي هي مبنية على كلام أهل العلم، وبين ما يمكن أن يكون من تخرصات الذكاء الاصطناعي؛ لأنه ثبت بالتجربة أن بعض الأنواع من الذكاء الاصطناعي فيه لا تتورع عن التوليف للإجابات، والأدلة، وربما نسبت تلك الأدلة إلى القرآن الكريم خطأ، وافتراء.

والنموذج الذي أرسلته من الحوار معه: لا بأس فيه من حيث الجملة، وهو بالفعل يلفت الانتباه للتأمل في محاور أساسية، ركزت عليها السورة، قد يمر بها القارئ كثيرا ولا يتأمل فيها، ولكن مع ذلك ينبغي الحذر من الاعتماد عليه دائما؛ لكونه أحيانا يجمع بين الغث والسمين، والصحيح والخطأ في التفسير، أو التدبر، أو الفتوى، أو شرح الحديث، أو غير ذلك، ويأتي أحيانا بما يناقض الواقع تماما، في عزو النصوص، أو توليفها، ونحو ذلك، وتختلف التطبيقات بعضها عن بعض في الدقة والمصداقية وفهم قصد المستخدم ونحو ذلك، كما أن وضع المحددات للبحث مهمة جدا في طريقة تزويده للمستخدم بما يبحث عنه.

وللمزيد حول التدبر، وطرقه، وأهميته، راجع الفتويين: 159965، 320671.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

المقالات

الصوتيات

المكتبة