السؤال
لماذا يجري الربا في (الرطب) عند المالكية، وهو لا يدخر؟ ولكم موفور الشكر.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فالرطب يدخر باعتبار ما بعد اليبس، وصيرورته تمرا.
وكونه يحتاج إلى تجفيف قبل أن يتتمر حتى لا يفسد؛ لا يجعله ذلك مما لا يدخل، جاء في شرح التلقين لأبي عبد الله المازري المالكي عند كلامه على اللحم: اللحم فيه الربا؛ لأنه مما يقتات، ويحفظ الحياة، ويؤتدم به، ومما يمكن ادخاره بالتجفيف. انتهى. ومحل الشاهد من كلامه: عده اللحم الطري من الربويات، وتعليله ذلك بإمكان ادخاره، وهذا هو حال الرطب.
وقال الإمام مالك في الموطأ: الأمر المجتمع عليه عندنا: أن من ابتاع شيئا من الفاكهة -من رطبها، أو يابسها-، فإنه لا يبيعه حتى يستوفيه، ولا يباع شيء منها بعضه ببعض، إلا يدا بيد.
وما كان منها مما ييبس، فيصير فاكهة يابسة تدخر وتؤكل، فلا يباع بعضه ببعض، إلا يدا بيد، ومثلا بمثل، إذا كان من صنف واحد.
فإن كان من صنفين مختلفين، فلا بأس بأن يباع منه اثنان بواحد يدا بيد، ولا يصلح إلى أجل.
وما كان منها مما لا ييبس ولا يدخر، وإنما يؤكل رطبا -كهيئة البطيخ، والقثاء، والخربز، والجزر، والأترج، والموز، والرمان، وما كان مثله- وإن يبس لم يكن فاكهة بعد ذلك، وليس هو مما يدخر. اهـ.
وقال ابن عبد البر في الاستذكار: أما التفاضل في المأكول والمشروب، فالذي ذهب إليه مالك وأصحابه في ذلك هو: أن كل ما يؤكل، أو يشرب إذا كان يدخر وييبس في الأغلب؛ فإن الربا فيها يدخله إذا كان واحدا من وجهين، وهما: التفاضل، والنسيئة. اهـ.
وقال في الكافي في فقه أهل المدينة: جملة مذهب مالك وأصحابه في كل مأكول ومشروب من جميع الأشياء، أنها تنقسم عندهم على ثلاثة أقسام، هي: ثلاثة أنواع، كل قسم منها نوع:
فالنوع الأول: ما الأغلب منه في كل موضع يكون فيه الادخار والاقتيات -كالحنطة، والشعير، والسلت، والذرة، والدخن، والأرز، والقطاني كلها، والتمر، والزبيب، وسائر ما يدخر فيبقى، ويتخذ قوتا في الأغلب، وعند الحاجة إليه، ويتلذذ بأكله- ... فهذا كله حكم البر والشعير والتمر، من أنه لا يجوز فيه التفاضل في الجنس الواحد، ولا يجوز منه الرطب باليابس.
وإذا اختلف الجنسان من هذا النوع، جاز فيهما التفاضل، وجاز بيع الرطب منهما باليابس من الآخر، ولم يجز في شيء من ذلك التأخير، والنظرة، ولا أن يفارقه حتى يقبض منه -كالصرف-، وهذا النوع يدخله الربا في الجنس الواحد من وجهين، وهما: التفاضل، والنسيئة.
وإذا كانا جنسين لم يدخلهما الربا إلا في النسيئة خاصة دون التفاضل. اهـ.
والله أعلم.