الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فقد اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:
قال ابن عبد البر في الاستذكار: من هذا الباب أيضا اختلافهم في قبض الصرف:
فقال مالك، والشافعي: إذا لم يقبض البعض حتى يفترقا؛ بطل البيع كله.
وقال أبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد: يصح في المقبوض، ويبطل فيما لم يقبض. اهـ.
وتصحيح العقد فيما قبض، وإبطاله فيما لم يقبض؛ يظهر أثره في صحة التصرف بعد ذلك، وعند التلف وتحمل الضمان، فلو أعطى أحدهما مائة، وأعطى الثاني تسعين، وبقي عليه عشرة، وصححنا الصرف في التسعين، وأفسدناه في العشرة الباقية، فمن أخذ التسعين فهي ملكه شرعا، يصح تصرفه فيها، ومن أخذ المائة، فلا يصح تصرفه في عشرة منها، ويده عليها يد ضمان، وليست يد أمانة، فإذا تلفت؛ فضمانها عليه، فرط في حفظها، أو لم يفرط، وتجري عليه أحكام الغصب في هذه العشرة.
قال السبكي في الأشباه والنظائر: كل تصرف يقع من المشتري شراء فاسدا، فهو كتصرف الغاصب، والعين في يده كالمغصوب عند الغاصب. اهـ.
وقال ابن رجب الحنبلي في قواعده: المعروف من المذهب: أنه غير منعقد، ويترتب عليه أحكام الغصب. اهـ.
أما لو تم العقد بطريقة صحيحة شرعا، وذلك بأن يعقد المتصارفان الصرف على تسعين فقط، ويجعل صاحب المائة العشرة الباقية له، كأمانة، أو وديعة عند الآخر، فإذا تلفت المائة دون تعد منه، لم يضمن العشرة الباقية لصاحبه؛ لأن الصرف صحيح في التسعين، ويده على العشرة الباقية يد أمانة.
قال ابن قدامة في المغني: لو صارف رجلا دينارا بعشرة دراهم، وليس معه إلا خمسة دراهم؛ لم يجز أن يتفرقا قبل قبض العشرة كلها.
فإن قبض الخمسة وافترقا؛ بطل الصرف في نصف الدينار.
وهل يبطل فيما يقابل الخمسة المقبوضة؟ على وجهين؛ بناء على تفريق الصفقة.
وإن أراد التخلص، فسخا الصرف في النصف الذي ليس معه عوضه، أو يفسخان العقد كله، ثم يشتري منه نصف الدينار بخمسة، ويدفعها إليه، ثم يأخذ الدينار كله؛ فيكون ما اشتراه منه له، وما بقي أمانة في يده، ثم يفترقان ...
ولو اشترى فضة بدينار ونصف، ودفع إلى البائع دينارين، وقال: أنت وكيلي في نصف الدينار الزائد؛ صح.
ولو صارفه عشرة دراهم بدينار، فأعطاه أكثر من دينار ليزن له حقه في وقت آخر؛ جاز، وإن طال، ويكون الزائد أمانة في يده، لا شيء عليه في تلفه. نص أحمد على أكثر هذه المسائل. اهـ.
وأما على القول الآخر بأن الصرف كله يبطل؛ فلا يجوز تصرف كل منهما فيما قبض، ويكون كله مضمونا على قابضه، وتجري عليه أحكام الغصب؛ لأن القبض في العقود الفاسدة لا يفيد الملك عند جمهور الفقهاء.
جاء في (الموسوعة الفقهية): اختلف الفقهاء في كون القبض ناقلا للملكية في عقود المعاوضات المالية الفاسدة، أو غير ناقل:
فذهب جمهور الفقهاء -من الشافعية، والمالكية، والحنابلة- إلى أن العقد الفاسد كالباطل، لا ينعقد أصلا، ولا يفيد الملك بتاتا، سواء قبض العاقد البدل المعقود عليه أو لم يقبضه.
وذهب الحنفية إلى أن ملكية المعقود عليه تنتقل في عقد المعاوضة الفاسد بقبضه برضا صاحبه، ويكون مضمونا على القابض بقيمته يوم قبضه. اهـ.
والله أعلم.