تقليد القائلين بعدم وجوب الزكاة في الحلي بعد ارتفاع أسعار الذهب

0 0

السؤال

لدي ذهب معد للزينة، وكنت أزكي هذا الذهب آخذة بالرأي القائل بوجوب زكاة ذهب الزينة، ومع ارتفاع أسعار الذهب بشكل كبير، أريد أن أتحول إلى الرأي القائل بعدم وجوب زكاة ذهب الزينة، فهل ذلك جائز؟ وهل علي إثم؟
وإذا كان لا يجوز أن أتحول إلى الرأي القائل بعدم وجوب زكاة ذهب الزينة، فقد تأخرت عن موعد الزكاة مدة شهر (بانتظار أن أحصل على فتوى)، فهل أخرج الزكاة بناء على سعر الذهب وقت وجوبها، أم أخرجها بناء على السعر الحالي في اليوم الذي سأحسب فيه مقدار الزكاة؟ وهل الأحاديث التي يستند إليها العلماء القائلون بوجوب زكاة ذهب الزينة أحاديث ضعيفة؟ بارك الله فيكم.

الإجابــة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

 فالخلاف في هذه المسألة مشهور معروف، والذي نفتي به في موقعنا هو: أن الحلي المعد للاستعمال المباح لا زكاة فيه، والأحاديث التي يعتمد عليها القائلون بالوجوب قد حكم بضعفها جمع من الأئمة، وإن حسنها غيرهم.

وقد دفع الشوكاني -رحمه الله- في السيل استدلال من ذهب إلى وجوب الزكاة في حلي الزينة عملا بالعموم، أو اعتمادا على هذه الأحاديث المشار إليها، فقال ما لفظه: ولا يصح استدلال من استدل على وجوب الزكاة في الحلية بما ورد من ذكر الزكاة في الورق، والزكاة في الرقة في الأحاديث؛ لأنه قد ثبت في كتب اللغة الصحاح، والقاموس، وغيرهما أن الورق والرقة اسم للدراهم المضروبة، فلا يصح الاستدلال بهذين اللفظين على وجوب الزكاة في الحلية، بل هما يدلان بمفهومهما على عدم وجوب الزكاة في الحلية، بما ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي سعيد مرفوعا بلفظ: ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة، وأخرجه مسلم أيضا من حديث جابر، ووجه عدم صحة الاستدلال بهذا أنه قد بينه بقوله: من الورق، والورق هي الدراهم المضروبة -كما عرفت-، فلا تدخل في ذلك الحلية، بل مفهوم الحديثين يدل على عدم وجوبها في الحلية.

وإذا عرفت هذا؛ فقد قدمنا أن حديث السوارين قد قال الترمذي فيه: أنه لم يصح في الباب شيء، والحديث الذي بعده عن عمرو بن شعيب ضعيف -كما تقدم-، فلم يبق في الباب ما يصلح للاحتجاج به، ولا سيما مع ما ورد من أنه صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذا إلى اليمن أمره بأن يأخذ من كل أربعين دينارا دينارا، وقد كان للصحابة وأهاليهم من الحلية ما هو معروف، ولم يثبت أنه صلى الله عليه وسلم أمرهم بالزكاة في ذلك، بل كان معاذ يعظ النساء، ويرشدهن إلى الصدقة، أي: صدقة النفل، فيلقين في ثوبه من حليهن، كما هو ثابت في الصحيح، ولو كان عليهن في ذلك زكاة لأخبرهن؛ لأنه فعل ذلك بأمر النبي صلى الله عليه وسلم، وكان أمرهن بما هو واجب عليهن أقدم من أمرهن بما ليس بواجب عليهن، وكان صلى الله عليه وسلم يقول: يا معشر النساء، تصدقن، فإني رأيتكن أكثر أهل النار.

وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن قال: لا نعلم أحدا من الخلق قال في الحلي زكاة. وأخرج مالك أيضا في الموطأ عن ابن عمر: أنه كان يحلي بناته وجواريه بالذهب، فلا يخرج منه الزكاة.

وأخرج مالك أيضا في الموطأ، والشافعي عن عائشة: أنها كانت تلي بنات أخيها يتامى في حجرها لهن الحلي، فلا تخرج منه الزكاة. وروى البيهقي، والدارقطني عن جابر قال: ليس في الحلي زكاة. وأخرج الدارقطني، والبيهقي أيضا عن أنس، وأسماء بنت أبي بكر نحوه.

وأما ما روي عن ابن عباس من إيجاب الزكاة في الحلي، فقال الشافعي: لا أدري أثبت عنه أم لا. انتهى. وإنما أوردناه بطوله لتمام الفائدة.

فإذا علمت هذا، وتبين لك ما نفتي به؛ فإن العامي يقلد من يثق به من أهل العلم، ولا يجوز له الانتقال من مذهب لآخر لمجرد التشهي، قال الشوكاني في إرشاد الفحول: إذا التزم العامي مذهبا معينا، فلهم في ذلك خلاف آخر، وهو أنه هل يجوز له أن يخالف إمامه في بعض المسائل، ويأخذ بقول غيره؟

فقيل: لا يجوز، وقيل: يجوز، وقيل: إن كان قد عمل بالمسألة لم يجز له الانتقال، وإلا جاز... وقيل: يجوز بشرط أن ينشرح له صدره، وأن لا يكون قاصدا للتلاعب، وأن لا يكون ناقضا لما قد حكم عليه به، واختاره ابن دقيق العيد. انتهى.

والصحيح -إن شاء الله- أنه يجوز للعامي الانتقال من مذهب لآخر، ما لم يقصد التلاعب، ويكون تتبع الرخص ديدنا له، قال القرافي -رحمه الله-: قال الزناتي: يجوز تقليد المذاهب في النوازل، والانتقال من مذهب إلى مذهب بثلاثة شروط: ألا يجمع بينهما على وجه يخالف الإجماع، كمن تزوج بغير صداق، ولا ولي، ولا شهود؛ فإن هذه الصورة لم يقل بها أحد، وأن يعتقد فيمن يقلده الفضل بوصول أخباره إليه، ولا يقلده رميا في عماية، وألا يتتبع رخص المذاهب. انتهى.

وعليه؛ فإذا انشرح صدرك للقول الثاني، أو كان من يفتي به أوثق في نفسك ممن يفتي بالقول الآخر؛ فلا حرج عليك في الانتقال للعمل به.

وإذا أردت زكاة الذهب فالعبرة بوزنه لا بقيمته، قال ابن قدامة في المغني: ويعتبر في النصاب في الحلي الذي تجب فيه الزكاة بالوزن... انتهى. وانظري للمزيد الفتوى:120192 .

وإن كان قصدك قيمة المقدار الواجب أداؤه، كما لو كان الذهب 100 ج، فالواجب 2.5 ج فهل تؤدين قيمة 2.5 ج باعتبار وقت حولان الحول الماضي؟ أم المعتبر قيمتها اليوم؟.

الجواب أن المعتبر قيمتها وقت الأداء، إذ الأصل دفع الغرامات الواجبة فإن اخترت دفع قيمتها فتحسب عند أدائها. 

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

الصوتيات

المكتبة