تفنيد شبهة التكفير بالإصرار على المعصية والاستهانة بها

0 0

السؤال

قرأت في أحد المواقع أن ابن القيم يرى أن الشخص إذا أصر على ارتكاب معصية، وعزم على عدم الإقلاع عنها، فإنه يعد كافرا، حتى وإن كان يعتقد أنها حرام.
كما ذكر أحد مواقع الفتاوى أن الشخص الذي يشاهد الأفلام بانتظام قد يعد كافرا؛ إذ يرى أصحاب هذا القول أن مشاهدة الأفلام أو ارتكاب أي معصية بصورة مستمرة تدل على استهانة صاحبها بتلك المعصية، ومن ثم يحكمون بكفره، ولو كان معتقدا تحريمها. فهل هذا القول صحيح؟
كذلك نقل عن الملا علي القاري أن عدم كراهية المعصية أثناء ارتكابها يعد كفرا أيضا، وأشير إلى قوله: إن الاستهانة بالمعاصي تعد كفرا. فما مدى صحة نسبة هذا القول إليه؟ وما المقصود بالاستهانة المكفرة؟ وهل مجرد الإصرار على المعصية، أو اعتيادها، أو التلذذ بها مع الاعتراف بحرمتها، يوجب الحكم بالكفر؟

الإجابــة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فمجرد الإصرار على المعصية، أو العزم على الاستمرار فيها، لا يخرج المسلم من الإسلام، ما دام مقرا بتحريمها، مذعنا لحكم الله فيها، وإنما يرتكبها اتباعا لهواه وشهوته. وليس تكرار المعصية دليلا كافيا على استحلالها، أو احتقار الشرع؛ وقد سبق بيان ذلك في الفتويين: 203629، 391354.

وهذا في المعاصي التي ليست كفرا في نفسها؛ فإن من الأقوال والأفعال ما يكون كفرا لذاته، فلا يدخل في هذا الحكم.

وقد نقل النووي في شرح صحيح مسلم، عند شرح حديث: لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، إجماع أهل الحق على أن أصحاب الكبائر غير الشرك لا يكفرون بمجرد ارتكابها، وأنهم إن ماتوا مصرين عليها كانوا تحت مشيئة الله، إن شاء عفا عنهم، وإن شاء عذبهم ثم أدخلهم الجنة. فالإصرار يزيد الذنب خطرا، ولكنه لا يجعله بمجرده كفرا.

وأما ما نسب إلى ابن القيم من تكفير من عزم على عدم ترك المعصية أبدا؛ فلم نقف على نص له يقرر ذلك بهذا الإطلاق، بل نصه في زاد المعاد يدل على خلافه، إذ قال: وأما أن المصر على المعصية فاسق مؤاخذ، فهذا إنما هو فيمن عمل المعصية، ثم أصر عليها. ثم بين أن هذا إصرار اقترن فيه العمل بالعزم على المعاودة؛ فوصف صاحبه بالفسق والمؤاخذة. انظر: زاد المعاد (5/185).

نعم، له في مدارج السالكين كلام شديد في أثر الإصرار على المعاصي في تعلق القلب بغير الله، ونقص توحيده، قال فيه: ولا يمكن مدمن الكبيرة، والمصر على الصغيرة أن يصفو له التوحيد، حتى لا يشرك بالله شيئا. ولكنه ختم هذا الكلام ببيان منافاة الإصرار لكمال التوحيد. فسياق الكلام في صفاء التوحيد وكماله، وما تخالطه به المعاصي من التعلقات المذمومة، ولا يصح أن يجعل حكما بكفر كل مصر على معصية. انظر: مدارج السالكين (1/336).

وقد وقفنا على نسبة التكفير بالعزم على عدم الترك إلى ابن القيم لبعض المعاصرين، مستدلا بهذا الموضع من المدارج؛ فهذه النسبة استنتاج من ذلك الشخص، وليست نصا من كلام ابن القيم بالعبارة المذكورة في السؤال، والاستدلال بها على تكفير من استمر في المعصية لشهوته، مع إقراره بحكم الله، غير صحيح.

وأما كلام الملا علي القاري في الاستهانة بالمعصية، فقد قال في شرح الفقه الأكبر: وكذا الاستهانة بها كفر، بأن يعدها هينة سهلة، ويرتكبها من غير مبالاة بها، ويجريها مجرى المباحات في ارتكابها. وذكر ذلك بعد الكلام على استحلال المعصية الثابت تحريمها بدلالة قطعية، ثم أتبعه بالكلام على الاستهزاء بالشريعة. انظر: شرح الفقه الأكبر.

والاستهانة لفظ يحتاج إلى تفصيل: فإن أريد بها احتقار حكم الله، أو السخرية بتحريمه، أو الاستخفاف بالشرع من حيث هو شرع الله، فذلك كفر، ولا يمنع منه مجرد معرفة صاحبه بأن الله حرم ذلك الفعل. وإن أريد بها تهاون العاصي، وضعف خوفه، وغفلته عن العقوبة، حتى يألف المعصية ويكثر منها، مع إقراره بأنه مخالف مستحق للذم؛ فهذا لا يحكم بكفره بمجرده. وقد سبق تقرير هذا الفرق في الفتوى: 347956. 

وعلى هذا التفصيل؛ ينبغي فهم العبارة المنقولة؛ فإن حمل إطلاقها على تكفير كل متهاون بالمعصية، ولو كان تهاونه ناشئا عن الغفلة وغلبة الشهوة، فهو إطلاق غير صحيح، مخالف لما تقدم من حكم أصحاب الكبائر المصرين عليها.

وأما عبارة: عدم كراهية المعصية أثناء ارتكابها كفر، فلم نقف عليها بهذا اللفظ من كلام القاري فيما راجعناه، فلا نجزم بنسبتها إليه. كما لا يصح أن يستنتج من كلامه أن مجرد التلذذ بالمعصية، أو عدم استحضار الندم والخوف عند مباشرتها، كفر؛ فإن محبة المحرم لشهوة النفس لا تساوي استحلاله، ولا الرضا بمخالفة الشرع من جهة الاعتراض على حكمه. والإصرار ومحبة المعصية خطر على الإيمان، لكنهما لا يستلزمان ولا يقتضيان زواله.

وينبغي التنبيه إلى أصل مهم في فهم كلام أهل العلم، وتحقيق مذاهبهم، ونسبة الأقوال إليهم؛ وهو أن كلام العالم يفسر بعضه بعضا، ولا يصح اجتزاء عبارة من سياقها، أو بناء مذهبه على موضع واحد من مصنفاته، مع إغفال سائر كلامه في المسألة؛ بل الواجب جمع كلامه في الباب، والنظر في سياق عباراته، ورد مجملها إلى مبينها، ومحتملها إلى صريحها، مع مراعاة اصطلاحه ومقصوده.

ولا سيما في مسائل التكفير التي يترتب على الخطأ فيها أحكام عظيمة؛ فلا يجوز أن ينسب إلى عالم قول بالتكفير بناء على عبارة محتملة، مع وجود كلام صريح له يخالف ذلك الفهم. كما ينبغي التفريق بين ما يصرح العالم باعتقاده، وما يستنبطه بعض الناس من كلامه أو يلزمه به؛ فإن لازم القول ليس بالضرورة قولا لصاحبه. وعلى هذا المنهج ينبغي فهم كلام ابن القيم وغيره من العلماء.

وأما القول المتعلق باعتياد مشاهدة الأفلام؛ فلم يتحدد الموقع المشار إليه حتى يمكن الحكم على صحة نقل عبارته وسياقها. وأما الحكم نفسه، فمشاهدة ما اشتمل على المحرمات معصية، وتكرارها إصرار عليها، ولا يصير المشاهد كافرا لمجرد اعتياده المشاهدة.

وقد بينا في الفتوى: 158241، أن مشاهدة الأفلام الإباحية، مع تحريمها، لا تصل بمجردها بصاحبها إلى الكفر.

وحتى إذا اشتمل الفيلم على أقوال كفرية، فلا يلزم من مجرد مشاهدته الرضا بتلك الأقوال؛ فإن رضي بالكفر نفسه، أو استحسن الاستهزاء بالدين وأقره؛ فهذا أمر آخر.

وقد سبق التفريق بين مجرد المشاهدة والرضا بالكفر في الفتويين: 340987، 415609.

فالواجب التوبة من المعصية، وقطع أسباب الإصرار عليها، مع اجتناب التسرع في التكفير، أو جعل كل فتور في الشعور بالخوف والندم ناقضا للإسلام.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

المقالات

الصوتيات

المكتبة