صفحة جزء
ذكر الأخبار التي احتج بها من أوجب الشفعة للجار وبيان عللها .

8323 - حدثنا محمد بن علي ، حدثنا سعيد ، قال : حدثنا سفيان ، عن إبراهيم بن ميسرة ، عن عمرو بن الشريد ، سمع أبا رافع يقول لسعد بن أبي وقاص : لولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "الجار أحق بسقبه" - أو لسقبه - ما أعطيتك .

8324 - حدثنا محمد بن إسماعيل قال : حدثنا أبو نعيم قال : حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن بن يعلى قال : سمعت عمرو بن الشريد يحدث عن أبيه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "المرء أولى بسقبه " . قلت : لعمرو : وما سقبه ؟ قال : الشفعة . قلت : زعموا الناس أنه الجوار . قال : إن الناس ليقولون ذلك . [ ص: 478 ]

8325 - حدثنا محمد بن نصر قال : حدثنا حميد بن مسعدة قال : حدثنا خالد بن الحارث قال : أخبرنا حسين المعلم ، عن عمرو بن شعيب ، عن عمرو بن الشريد بن سويد قال هذا أو رجل آخر : يا رسول الله ، أرضي ليس فيها لأحد شرك ولا قسم إلا الجوار . قال : "الجار أحق بسقبه ما كان " .

8326 - وقال : حدثنا محمد بن المثنى قال : أخبرنا عبد الصمد قال : أخبرنا همام قال : أخبرنا قتادة ، عن عمرو بن شعيب ، عن الشريد بن سويد ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "الجار أحق بسقب أرضه " .

8327 - حدثنا علي بن عبد العزيز قال : حدثنا حجاج بن منهال قال : حدثنا حماد ، عن قتادة ، عن الحسن ، عن سمرة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "الجار أحق بالجوار " . [ ص: 479 ]

قال أبو بكر : وقد تكلم غير واحد من أهل المعرفة بالحديث في هذه الأخبار ، فقال بعضهم : وجدنا رواة عمرو بن الشريد قد اضطربوا في روايته فجعله بعضهم عن أبيه ، وبعضهم عن أبي رافع ، وأرسله بعضهم ، وقال حسين المعلم : عن عمرو بن شعيب ، عن عمرو بن الشريد ، عن أبيه . وقال قتادة : عن عمرو بن شعيب ، عن الشريد . فلما اضطربت الروايات خفنا أن يكون الحديث غير محفوظ فسقط الاحتجاج به . وأما حديث سمرة ، فإن الحسن لم يسمع من سمرة ، [ ص: 480 ] إنما روايته عنه من كتاب وقع إليه . وقال بعضهم : قد قيل إنه سمع منه حديثا واحدا .

8328 - حدثنا إبراهيم بن عبد الله ، قال : أخبرنا قريش بن أنس ، قال : حبيب بن الشهيد أخبرنا ، قال : أمرني محمد أن أسأل الحسن ممن سمع حديثه في العقيقة ؟ فسألته عن ذلك فقال : سمعته من سمرة . [ ص: 481 ]

وقال بعض من دفع الأخبار التي فيها ذكر الجواز : قد اختلف في متون هذه الأخبار ، كما اختلف في أسانيدها ، ففي بعضها "الجار أحق بسقبه " ، وفي بعضها "المرء أولى بسقبه " ، وفي بعضها "الجار أحق بسقب أرضه " ، وفي بعضها : "الجار أحق [بالجوار ] " ، وليس في شيء من الأخبار ما رسمه أصحاب الرأي في كتبهم ، بل جاءت الأخبار مبهمة محتملة للتأويل ، فأما قوله : "المرء - أو الجار - أولى بسقبه " . وإن الصقب القرب كذلك . قال أبو عبيد : وقال : قال الشاعر :

كوفية نازح محلها لا أمم دارها ولا صقب

وقد حكى الحسن بن محمد عن الشافعي أنه قال : معنى قوله : "الجار أحق بسقبه" في غير الشفعة ، فيكون رجل جارا لزوجته يريد الارتفاق بها فشفع فيها أو لمرفق غير البيع ، ويريد مثل ذلك غير الجار فيكون "الجار أحق بصقبه " ، ويحتمل غير هذا . روينا عن طاوس أنه [ ص: 482 ] سئل عن الشفعة بعد البيع فقال : أولو الأرحام أولى بالبيع من غيره . فهذا طاوس قد زاد : الرحم أحق بالشفعة من الجار . فما حجتكم عليه ، ولعل من يقول بقوله يحتج بالآية ، فإن قلتم : ليس في الآية دليل للشفعة ذكر قبل ، فلذلك لم يقل النبي صلى الله عليه وسلم : الجار أحق بصقبه في الشفعة ولا للشفعة في الخبر الذي احتججتم به ذكر ، وقد يحتمل أن يكون ذلك فيما يجب للجيران بعضهم على بعض من حق الجوار ، ومما للأجنبي من الكرامة والبر وسائر الحقوق التي إذا اجتمع فيها الجار ومن ليس بجار وجب إيثار الجار على الذي ليس بجار من طريق مكارم الأخلاق وحسن الجوار ، لا من جهة الفرض اللازم ، وقد أوصى الله عز وجل بالجار فقال : ( والجار ذي القربى والجار الجنب ) .

وثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه " .

قال أبو بكر : وعلى أنهم لو سلمت لهم هذه الأخبار التي احتجوا بها لكانوا خارجين عن ظاهرها ، لأنهم يزعمون أن الجار اللزيق إذا ترك الشفعة وطلبها الذي بجنبه وليس له حد إلى الدار المشتراة ولا طريق ، أن لا شفعة له ، فقد تركوا ظاهر الأخبار التي احتجوا بها ولم يستعملوها .

قال أبو بكر : [واعلم ] أنا لو سلمنا لهم خبرهم وبيناه لهم ولم نعللها بشيء من العلل لكان اللازم لمن قال بالأخبار كلها إذا وجد إلى [ ص: 483 ] استعمالها سبيلا أن يجعل حديث أبي رافع مجملا ، وخبر جابر بن عبد الله مفسرا ، وذلك أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالشفعة لبعض الجيران دون بعض ، كل جار لم يقاسم جاره دون الجار الذي قاسم جاره ، ألا تراه يقول : "إنما جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الشفعة في كل مال لم يقسم ، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة " . فهذا كلام مفسر لا يحتمل إلا معنى واحدا ، وحديث أبي رافع يحتمل معاني ، مع قول عوام أهل العلم بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرد كل من وقع عليه اسم جوار ، وذلك أن عوام أهل العلم يقولون : إذا أوصى الرجل لجيرانه بمال ، أعطى اللزيق من الجيران وغير اللزيق ، إلا أن النعمان فيما بلغني عنه أنه خرج من قول عوام أهل العلم ، وفارق المتعارف من كلام الناس وقال : لا يعطي إلا اللزيق .

كان الأوزاعي يقول : الجار أربعين دارا من كل ناحية . وكذلك قال الزهري : وقال سعيد بن عمرو بن جعدة : من سمع الإقامة فهو جار .

8329 - حدثنا إسحاق ، عن عبد الرزاق ، عن الثوري وابن عيينة ، عن أبي حيان ، عن أبيه ، عن علي قال : لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد . قال الثوري في حديثه : وقيل لعلي : ومن جار المسجد ؟ قال : من سمع النداء .

قال أبو بكر : وخبر عائشة يدل على أن اسم الجار قد يقع على غير اللزيق . [ ص: 484 ]

8330 - حدثنا يحيى قال : حدثنا مسدد قال : حدثنا الحارث بن عبيد أبو قدامة قال : حدثنا أبو عمران الجوني ، عن طلحة ، عن عائشة قالت : قلت : يا رسول الله ، لي جاران بأيهما أبدأ ؟ قال : "بأدناهما بابا " .

قال أبو بكر : وقد يكون للرجل جار لزيق إلى جنب داره ، وبابه من سكة غير سكته ، وله جار بين بابه وبابه قدر ذراعين وليس بلزيق له ، وهو أدناهما بابا ، وقد يقع اسم الجوار على الشريك غير المقاسم .

أخبرني الربيع قال : قال الشافعي : فإن قال : وتسمي العرب الشريك جارا ؟ قيل : نعم ، كل من [قارب ] بدنه بدن صاحبه قيل له جار . فإن قال : فادللني على هذا ؟ قيل : قال حمل بن مالك بن النابغة : كنت بين جارتين لي ، فضربت أحدهما الأخرى بمسطح فألقت جنينا ميتا ، فقضى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بغرة .

وقال الأعشى لامرأته :


أجارتنا بيني فإنك طالقة

قال أبو بكر : وقد حرم الله أموال المؤمنين ، ولا يحل أموال بعضهم لبعض إلا بطيب من نفس المعطي منهم ، أو بأمر أوجبه الله أو رسوله ، فلما ثبتت الأخبار من رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه حكم بالشفعة للشريك الذي [ ص: 485 ] لم يقاسم ، وكل مختلف بعد ذلك فيه فمردود إلى أصل تحريم الله الأموال في كتابه وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية