الإحكام في أصول الأحكام

الآمدي - علي بن محمد الآمدي

صفحة جزء
الشرط الرابع : أن يكون الراوي متصفا بصفة العدالة وذلك يتوقف على معرفة ( العدل ) لغة وشرعا .

أما العدل في اللغة ، فهو عبارة عن المتوسط في الأمور من غير إفراط في طرفي الزيادة والنقصان ، ومنه قوله تعالى : ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) أي عدلا .

فالوسط والعدل بمعنى واحد .

وقد يطلق في اللغة والمراد به المصدر المقابل للجور ، وهو اتصاف الغير بفعل ما يجب له ، وترك ما لا يجب ، والجور في مقابلته .

وقد يطلق : ويراد به ما كان من الأفعال الحسنة يتعدى الفاعل إلى غيره ، ومنه يقال للملك المحسن إلى رعيته : عادل .

وأما في لسان المتشرعة ، فقد يطلق ويراد به أهلية قبول الشهادة والرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم .

[ ص: 77 ] وقد قال الغزالي في معنى هذه الأهلية إنها عبارة عن استقامة السيرة والدين .

وحاصلها يرجع إلى هيئة راسخة في النفس تحمل على ملازمة التقوى والمروءة جميعا ، حتى تحصل ثقة النفوس بصدقه .

وذلك إنما يتحقق باجتناب الكبائر وبعض الصغائر وبعض المباحات .

أما الكبائر فقد روى ابن عمر عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " الكبائر تسع ؛ الشرك بالله تعالى ، وقتل النفس المؤمنة ، وقذف المحصنة ، والزنا ، والفرار من الزحف ، والسحر ، وأكل مال اليتيم ، وعقوق الوالدين المسلمين ، والإلحاد بالبيت الحرام " .

وروى أبو هريرة مع ذلك : أكل الربا ، والانقلاب إلى الأعراب بعد هجرة .

وروي عن علي عليه السلام ، أنه أضاف إلى ذلك : السرقة ، وشرب الخمر >[1] .

وأما بعض الصغائر فما يدل فعله على نقض الدين ، وعدم الترفع عن الكذب وذلك كسرقة لقمة ، والتطفيف بحبة ، واشتراط أخذ الأجرة على إسماع الحديث ونحوه .

وأما بعض المباحات فيما يدل على نقص المروءة ، ودناءة الهمة ، كالأكل في السوق والبول في الشوارع وصحبة الأراذل ، والإفراط في المزح . ونحو ذلك مما يدل على سرعة الإقدام على الكذب ، وعدم الاكتراث به .

ولا خلاف في اعتبار اجتناب هذه الأمور في العدالة المعتبرة في قبول الشهادة والرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم ؛ لأن من لا يجتنب هذه الأمور أحرى أن لا يجتنب الكذب ، فلا يكون موثوقا بقوله .

ولا خلاف أيضا في اشتراط هذه الأمور الأربعة في الشهادة .

وتختص الشهادة بشروط أخر : كالحرية ، والذكورة ، والعدد والبصر ، وعدم القرابة والعداوة .

وإذ أتينا شروط الرواية فلا بد من الإشارة إلى ذكر مسائل متشعبة عن شروط العدالة جرت العادة بذكرها وهي ثمان مسائل .

التالي السابق


الخدمات العلمية