الإحكام في أصول الأحكام

الآمدي - علي بن محمد الآمدي

صفحة جزء
المسألة الرابعة

يجوز تخصيص عموم السنة بخصوص القرآن عندنا ، وعند أكثر الفقهاء والمتكلمين ، ومنهم من منع ذلك ، ودليله العقل والنقل .

أما النقل فقوله - تعالى - : ( وأنزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء ) ، وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الأشياء فكانت داخلة تحت العموم ، إلا أنه قد خص في البعض فيلزم العمل به في الباقي .

وأما المعقول فما ذكرناه في تخصيص الكتاب بالكتاب .

فإن قيل : الآية معارضة بقوله - تعالى - : ( لتبين للناس ما نزل إليهم ) ، ووجه الاحتجاج به أنه جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - مبينا للكتاب المنزل ، وذلك إنما يكون بسنته .

فلو كان الكتاب مبينا للسنة لكان المبين بالسنة مبينا لها ، وهو ممتنع .

وأيضا فإن المبين أصل ، والبيان تبع له ومقصود من أجله ، فلو كان القرآن مبينا للسنة لكانت السنة أصلا والقرآن تبعا ، وهو محال .

وجواب الآية ، أنه لا يلزم من وصف النبي - صلى الله عليه وسلم - بكونه مبينا لما أنزل امتناع كونه مبينا للسنة بما يرد على لسانه من القرآن ، إذ السنة أيضا منزلة على ما قال - تعالى - : ( وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ) غير أن الوحي منه ما يتلى فيسمى كتابا ، ومنه ما لا يتلى فيسمى سنة ، وبيان أحد المنزلين بالآخر غير ممتنع .

[ ص: 322 ] وما ذكروه من المعنى فغير صحيح ، فإن القرآن لا بد وأن يكون مبينا لشيء ضرورة قوله - تعالى - : ( تبيانا لكل شيء ) وأي شيء قدر كون القرآن مبينا له فليس القرآن تبعا له ، ولا ذلك الشيء متبوعا .

وأيضا فإن الدليل القطعي قد يبين به مراد الدليل الظني ، وليس منحطا عن رتبة الظني .

التالي السابق


الخدمات العلمية