الإحكام في أصول الأحكام

الآمدي - علي بن محمد الآمدي

صفحة جزء
[ ص: 216 ] المسألة الحادية عشرة

القائلون بجواز الاجتهاد للنبي عليه السلام اختلفوا في جواز الخطإ عليه في اجتهاده ، فذهب بعض أصحابنا إلى المنع من ذلك .

وذهب أكثر أصحابنا والحنابلة وأصحاب الحديث والجبائي وجماعة من المعتزلة إلى جوازه ، لكن بشرط أن لا يقر عليه ، وهو المختار ودليله المنقول والمعقول .

أما المنقول : فمن جهة الكتاب والسنة .

أما الكتاب : فقوله تعالى : ( عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين ) وذلك يدل على خطئه في إذنه لهم .

وقوله تعالى في المفاداة في يوم بدر : ( ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض ) إلى قوله تعالى : ( لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم ) >[1] حتى قال النبي عليه السلام : " لو نزل من السماء عذاب لما نجا منه إلا عمر " >[2] لأنه كان قد أشار بقتلهم ونهى عن المفاداة ، وذلك دليل على خطئه في المفاداة .

وقوله تعالى : ( إنما أنا بشر مثلكم ) >[3] أثبت المماثلة بينه وبين غيره وقد جاز الخطأ على غيره فكان جائزا عليه ; لأن ما جاز على أحد المثلين يكون جائزا على الآخر .

وأما السنة : فما روي عن النبي عليه السلام أنه قال : " إنما أحكم بالظاهر وإنكم لتختصمون إلي ، ولعل أحدكم ألحن بحجته من بعض ، فمن قضيت له بشيء من [ ص: 217 ] مال أخيه فلا يأخذه ، فإنما أقطع له قطعة من النار " >[4] ، وذلك يدل على أنه قد يقضي بما لا يكون حقا في نفس الأمر .

وأيضا ما روي عنه عليه السلام أنه قال : " إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون ، فإذا نسيت فذكروني " .

وأيضا ما اشتهر عنه عليه السلام من نسيانه في الصلاة وتحلله عن ركعتين في الرباعية في قصة ذي اليدين وقول ذي اليدين : " أقصرت الصلاة أم سهوت ؟ " فقال النبي عليه السلام : " أحق ما يقول ذو اليدين ؟ فقالوا : نعم " .

>[5] وأما المعقول : فإنه لو امتنع وقوع الخطإ منه : فإما أن يكون ذلك لذاته ، أو لأمر من خارج ، لا جائز أن يقال بالأول ; لو فرضناه لم يلزم عنه المحال لذاته عقلا >[6] ، وإن كان لأمر خارج ، فالأصل عدمه وعلى مدعيه بيانه .

فإن قيل : ما ذكرتموه معارض من ثلاثة أوجه :

الأول : أنا قد أمرنا باتباع حكمه على ما قال تعالى : ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ) فلو جاز عليه الخطأ في حكمه لكنا قد أمرنا باتباع الخطإ ، والشارع لا يأمر بالخطإ .

>[7] الثاني : أن الأمة إذا أجمعت على حكم مجتهد فيه كان إجماعهم معصوما عن الخطإ كما سبق بيانه ، ولو جاز على النبي الخطأ في اجتهاده لكانت الأمة أعلى رتبة منه ، وذلك محال .

[ ص: 218 ] الثالث : أن المقصود من البعثة وإظهار المعجزة اتباع النبي عليه السلام في الأحكام الشرعية إقامة لمصالح الخلق ، فلو جاز عليه الخطأ في حكمه لأوجب ذلك التردد في قوله والشك في حكمه ، وذلك مما يخل بمقصود البعثة وهو محال .

والجواب عن الإشكال الأول : أنه يلزم على ما ذكروه أمر الشارع للعامي باتباع قول المفتي مع جواز خطئه ، فما هو جواب لهم في صورة الإلزام فهو جواب لنا في محل النزاع .

وعن الإشكال الثاني : أن من الناس من منع من تصور انعقاد الإجماع عن الاجتهاد فضلا عن وقوعه وامتناع الخطأ فيه .

ومنهم من جوزه وجوز مع ذلك مخالفته لإمكان الخطإ فيه ، كما سبق ذكره في مسائل الإجماع .

وبتقدير التسليم لانعقاد الإجماع عن الاجتهاد وامتناع الخطإ فيه ، فلا مانع منه ولا يلزم من ذلك علو رتبة الأمة على رتبة النبي عليه السلام ، مع اختصاصه بالرسالة وكون عصمة الإجماع مستفادة من قوله ، وأنه الشارع المتبع ، وأهل الإجماع متبعون له ومأمورون بأوامره ومنهيون بنواهيه ، ولا كذلك بالعكس .

وعن الثالث : أن المقصود من البعثة إنما هو تبليغه عن الله تعالى أوامره ونواهيه ، والمقصود من إظهار المعجزات إظهار صدقه فيما يدعيه من الرسالة والتبليغ عن الله تعالى ، وذلك مما لا يتصور خطؤه فيه بالإجماع ، ولا كذلك ما يحكم به عن اجتهاده ، فإنه لا يقول ما يقوله فيه عن وحي ولا بطريق التبليغ ، بل حكمه فيه حكم غيره من المجتهدين ، فتطرق الخطإ إليه في ذلك لا يوجب الإخلال بمعنى البعثة والرسالة .

التالي السابق


الخدمات العلمية