مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين

ابن القيم - أبو عبد الله محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية

صفحة جزء
فصل أنواع الصبر

وهو على ثلاثة أنواع : صبر بالله . وصبر لله . وصبر مع الله .

فالأول : صبر الاستعانة به ، ورؤيته أنه هو المصبر ، وأن صبر العبد بربه لا بنفسه . كما قال تعالى : ( واصبر وما صبرك إلا بالله ) يعني إن لم يصبرك هو لم تصبر .

[ ص: 157 ] والثاني : الصبر لله . وهو أن يكون الباعث له على الصبر محبة الله ، وإرادة وجهه . والتقرب إليه . لا لإظهاره قوة النفس ، والاستحماد إلى الخلق ، وغير ذلك من الأعراض .

والثالث : الصبر مع الله . وهو دوران العبد مع مراد الله الديني منه . ومع أحكامه الدينية . صابرا نفسه معها ، سائرا بسيرها . مقيما بإقامتها . يتوجه معها أين توجهت ركائبها . وينزل معها أين استقلت مضاربها .

فهذا معنى كونه صابرا مع الله ؛ أي قد جعل نفسه وقفا على أوامره ومحابه . وهو أشد أنواع الصبر وأصعبها . وهو صبر الصديقين .

قال الجنيد : المسير من الدنيا إلى الآخرة سهل هين على المؤمن . وهجران الخلق في جنب الله شديد ، والمسير من النفس إلى الله صعب شديد . والصبر مع الله أشد .

وسئل عن الصبر ؟ فقال : تجرع المرارة من غير تعبس .

قال ذو النون المصري : الصبر : التباعد من المخالفات . والسكون عند تجرع غصص البلية . وإظهار الغنى مع حلول الفقر بساحات المعيشة .

وقيل : الصبر : الوقوف مع البلاء بحسن الأدب .

وقيل : هو الفناء في البلوى ، بلا ظهور ولا شكوى .

وقيل : تعويد النفس الهجوم على المكاره .

وقيل : المقام مع البلاء بحسن الصحبة ، كالمقام مع العافية .

وقال عمرو بن عثمان : هو الثبات مع الله ، وتلقي بلائه بالرحب والدعة .

وقال الخواص : هو الثبات على أحكام الكتاب والسنة .

وقال يحيى بن معاذ : صبر المحبين أشد من صبر الزاهدين . واعجبا ! كيف يصبرون ؟ وأنشد :


والصبر يجمل في المواطن كلها إلا عليك فإنه لا يجمل

وقيل : الصبر هو الاستعانة بالله .

[ ص: 158 ] وقيل : هو ترك الشكوى .

وقيل :


الصبر مثل اسمه ، مر مذاقته ،     لكن عواقبه أحلى من العسل

وقيل : الصبر أن ترضى بتلف نفسك في رضا من تحبه . كما قيل :


سأصبر كي ترضى وأتلف حسرة     وحسبي أن ترضى ويتلفني صبري

وقيل : مراتب الصابرين خمسة : صابر ، ومصطبر ، ومتصبر ، وصبور ، وصبار ، فالصابر : أعمها ، والمصطبر : المكتسب الصبر المليء به . والمتصبر : المتكلف حامل نفسه عليه . والصبور : العظيم الصبر الذي صبره أشد من صبر غيره . والصبار : الكثير الصبر . فهذا في القدر والكم . والذي قبله في الوصف والكيف .

وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : الصبر مطية لا تكبو .

وقف رجل على الشبلي . فقال : أي صبر أشد على الصابرين ؟ فقال : الصبر في الله . قال السائل : لا . فقال : الصبر لله . فقال : لا . فقال : الصبر مع الله . فقال : لا . قال الشبلي : فإيش هو ؟ قال : الصبر عن الله . فصرخ الشبلي صرخة كادت روحه تتلف .

وقال الجريري : الصبر أن لا يفرق بين حال النعمة وحال المحبة ، مع سكون الخاطر فيهما . والتصبر : هو السكون مع البلاء ، مع وجدان أثقال المحنة .

قال أبو علي الدقاق : فاز الصابرون بعز الدارين ؛ لأنهم نالوا من الله معيته . فإن الله مع الصابرين .

وقيل في قوله تعالى : ( اصبروا وصابروا ورابطوا ) . إنه انتقال من الأدنى إلى الأعلى . فالصبر دون المصابرة . والمصابرة دون المرابطة والمرابطة مفاعلة من الربط وهو الشد . وسمي المرابط مرابطا لأن المرابطين يربطون خيولهم ينتظرون الفزع . ثم قيل لكل منتظر قد ربط نفسه لطاعة ينتظرها : مرابط . ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم : ألا أخبركم بما يمحو الله به الخطايا ، ويرفع به الدرجات ؟ إسباغ الوضوء على المكاره ، وكثرة الخطى إلى المساجد ، وانتظار الصلاة بعد الصلاة ، فذلكم الرباط ، فذلكم الرباط . [ ص: 159 ] وقال : رباط يوم في سبيل الله : خير من الدنيا وما فيها .

وقيل : اصبروا بنفوسكم على طاعة الله . وصابروا بقلوبكم على البلوى في الله . ورابطوا بأسراركم على الشوق إلى الله .

وقيل : اصبروا في الله . وصابروا بالله . ورابطوا مع الله .

وقيل : اصبروا على النعماء . وصابروا على البأساء والضراء . ورابطوا في دار الأعداء . واتقوا إله الأرض والسماء . لعلكم تفلحون في دار البقاء .

فالصبر مع نفسك ، والمصابرة بينك وبين عدوك ، والمرابطة الثبات وإعداد العدة . وكما أن الرباط لزوم الثغر لئلا يهجم منه العدو . فكذلك الرباط أيضا لزوم ثغر القلب لئلا يهجم عليه الشيطان ، فيملكه ويخربه أو يشعثه .

وقيل : تجرع الصبر ، فإن قتلك قتلك شهيدا . وإن أحياك أحياك عزيزا .

وقيل : الصبر لله غناء . وبالله تعالى بقاء . وفي الله بلاء . ومع الله وفاء . وعن الله جفاء . والصبر على الطلب عنوان الظفر . وفي المحن عنوان الفرج .

وقيل : حال العبد مع الله رباطه . وما دون الله أعداؤه .

وفي كتاب الأدب للبخاري سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإيمان ؟ فقال : الصبر ، والسماحة . ذكره عن موسى بن إسماعيل . قال : حدثنا سويد قال : حدثنا عبد الله بن عبيد بن عمير عن أبيه عن جده فذكره .

وهذا من أجمع الكلام وأعظمه برهانا ، وأوعبه لمقامات الإيمان من أولها إلى آخرها .

فإن النفس يراد منها شيئان : بذل ما أمرت به ، وإعطاؤه . فالحامل عليه : [ ص: 160 ] السماحة . وترك ما نهيت عنه ، والبعد منه . فالحامل عليه : الصبر .

وقد أمر الله سبحانه وتعالى في كتابه بالصبر الجميل ، والصفح الجميل ، والهجر الجميل . فسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس الله روحه - يقول : الصبر الجميل هو الذي لا شكوى فيه ولا معه . والصفح الجميل هو الذي لا عتاب معه . والهجر الجميل هو الذي لا أذى معه .

وفي أثر إسرائيلي : أوحى الله إلى نبي من أنبيائه : أنزلت بعبدي بلائي ، فدعاني . فماطلته بالإجابة ، فشكاني . فقلت : عبدي ، كيف أرحمك من شيء به أرحمك ؟ .

وقال ابن عيينة في قوله تعالى : ( وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا ) قال : أخذوا برأس الأمر فجعلهم رؤساء .

وقيل : صبر العابدين أحسنه : أن يكون محفوظا ، وصبر المحبين أحسنه : أن يكون مرفوضا . كما قيل :


تبين يوم البين أن اعتزامه     على الصبر من إحدى الظنون الكواذب

والشكوى إلى الله عز وجل لا تنافي الصبر . فإن يعقوب - عليه السلام - وعد بالصبر الجميل . والنبي إذا وعد لا يخلف . ثم قال : ( إنما أشكو بثي وحزني إلى الله ) وكذلك أيوب أخبر الله عنه أنه وجده صابرا مع قوله : ( مسني الضر وأنت أرحم الراحمين ) .

وإنما ينافي الصبر شكوى الله ، لا الشكوى إلى الله . كما رأى بعضهم رجلا يشكو إلى آخر فاقة وضرورة . فقال : يا هذا ، تشكو من يرحمك إلى من لا يرحمك ؟ ثم أنشد :


وإذا عرتك بلية فاصبر لها     صبر الكريم فإنه بك أعلم
وإذا شكوت إلى ابن آدم إنما     تشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم

.

التالي السابق


الخدمات العلمية