بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع

الكاساني - أبو بكر مسعود بن أحمد الكاساني

صفحة جزء
ولو قال : لله تعالى علي أن أنحر ولدي أو أذبح ولدي يصح نذره ويلزمه الهدي وهو نحر البدنة أو ذبح الشاة ، والأفضل هو الإبل ثم البقر ثم الشاة ، وإنما ينحر أو يذبح في أيام النحر سواء كان في الحرم أو لا ، وهذا استحسان وهو قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله والقياس أن لا يصح نذره وهو قول أبي يوسف وزفر والشافعي رحمهم الله .

( وجه ) القياس : أنه نذر بما هو معصية ، والنذر بالمعاصي غير صحيح ، ولهذا لم يصح بلفظ القتل .

( وجه ) الاستحسان : قول النبي عليه الصلاة والسلام : { من نذر أن يطيع الله فليطعه ، } وقوله عليه الصلاة والسلام { من نذر وسمى فعليه الوفاء بما سمى } ، والمراد من الحديثين النذر بما هو طاعة مقصودة وقربة مقصودة ، وقد نذر بما هو طاعة مقصودة وقربة مقصودة ; لأنه نذر بذبح الولد تقديرا بما هو خلف عنه وهو ذبح الشاة ، فيصح النذر بذبح الولد على وجه يظهر أثر الوجوب في الشاة التي هي خلف عنه ، كالشيخ الفاني إذا نذر أن يصوم رجب أنه يصح نذره وتلزمه الفدية خلفا عن الصوم ، ودليل ما قلنا الحديث وضرب من المعقول .

( أما ) الحديث فقول النبي عليه الصلاة والسلام : { أنا ابن الذبيحين } أراد أول آبائه من العرب وهو سيدنا إسماعيل عليه الصلاة والسلام وآخر آبائه حقيقة وهو عبد الله بن عبد المطلب ، سماهما عليه الصلاة والسلام ذبيحين ومعلوم أنهما ما كانا ذبيحين حقيقة فكانا ذبيحين تقديرا بطريق الخلافة لقيام الخلف مقام الأصل .

( وأما ) المعقول فلأن المسلم إنما يقصد بنذره التقرب إلى الله تعالى ، إلا أنه عجز عن التقرب بذبح الولد تحقيقا ، فلم يكن ذلك مرادا من النذر ، وهو قادر على ذبحه تقديرا بذبح الخلف وهو ذبح الشاة فكان هذا نذرا بذبح الولد تقديرا بذبح ما هو خلف عنه حقيقة ، كالشيخ الفاني إذا نذر بالصوم وإنما لا يصح بلفظ القتل ; لأن التعيين بالنذر وقع للواجب على سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام والواجب هناك بالإيجاب المضاف إلى ذبح الولد بقوله - تعالى عز شأنه - : { إني أرى في المنام أني أذبحك } على أن هذا حكم ثبت استحسانا بالشرع ، والشرع إنما ورد بلفظ الذبح لا بلفظ القتل ، ولا يستقيم القياس ; لأن لفظ القتل لا يستعمل في تفويت الحياة على سبيل القربة ، والذبح يستعمل في ذلك .

ألا ترى أنه لو نذر بقتل شاة لا يلزمه ، ولو نذر بذبحها لزمه .

ولو نذر بنحر نفسه لم يذكر في ظاهر الروايات ، وذكر في نوادر هشام أنه على الاختلاف الذي ذكرنا ، ولو نذر بنحر ولد ولده ذكر في شرح الآثار أنه على الاختلاف .

التالي السابق


الخدمات العلمية