بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع

الكاساني - أبو بكر مسعود بن أحمد الكاساني

صفحة جزء
ولو قال ما أملك هدي أو قال ما أملك صدقة يمسك بعض ماله ويمضي الباقي ; لأنه أضاف الهدي والصدقة إلى جميع ما يملكه فيتناول كل جنس من جنس أمواله ، ويتناول القليل والكثير إلا أنه يمسك بعضه ; لأنه لو تصدق بالكل لاحتاج إلى أن يتصدق عليه فيتضرر بذلك ، وقد قال عليه الصلاة والسلام : { ابدأ بنفسك ثم بمن تعول } فكان له أن يمسك مقدار ما يعلم أنه يكفيه إلى أن يكتسب ، فإذا اكتسب مالا تصدق بمثله ; لأنه انتفع به مع كونه واجب الإخراج عن ملكه لجهة الصدقة ، فكان عليه عوضه ، كمن أنفق ماله بعد وجوب الزكاة عليه .

ولو قال مالي صدقة فهذا على الأموال التي فيها الزكاة من الذهب والفضة وعروض التجارة والسوائم ، ولا يدخل فيه ما لا زكاة فيه ، فلا يلزم أن يتصدق بدور السكنى وثياب البدن والأثاث والعروض التي لا يقصد بها التجارة والعوامل وأرض الخراج ; لأنه لا زكاة فيها ، ولا فرق بين مقدار النصاب وما دونه ; لأنه مال الزكاة .

ألا ترى أنه إذا انضم إليه غيره تجب فيه الزكاة ، ويعتبر فيه الجنس لا القدر ؟ ولهذا قالوا : إذا نذر أن يتصدق بماله وعليه دين محيط أنه يلزمه أن يتصدق به ; لأنه جنس مال تجب فيه الزكاة وإن لم تكن واجبة ، فإن قضى دينه به لزمه التصدق بمثله لما ذكرنا فيما تقدم ، وهذا الذي ذكرنا استحسان والقياس أن يدخل فيه جميع الأموال كما في فصل الملك ; لأن المال اسم لما يتمول كما أن الملك اسم لما يملك ، فيتناول جميع الأموال كالملك .

( وجه ) الاستحسان أن النذر يعتبر بالأمر ; لأن الوجوب في الكل بإيجاب الله - جل شأنه - وإنما وجد من العبد مباشرة السبب الدال على إيجاب الله تعالى ، ثم الإيجاب المضاف إلى المال من الله - تعالى - في الأمر وهو الزكاة في قوله تعالى : { خذ من أموالهم صدقة } ، وقوله - عز شأنه - : { وفي أموالهم حق معلوم } ونحو ذلك تعلق بنوع دون نوع فكذا في النذر وقد قال أبو يوسف رحمه الله : قياس قول أبي حنيفة - عليه الرحمة - إذا حلف لا يملك مالا ، ولا نية ، له وليس له مال تجب فيه الزكاة يحنث ; لأن إطلاق اسم المال لا يتناول ذلك ، وقال أبو يوسف ولا أحفظ عن أبي حنيفة إذا نوى بهذا النذر جميع ما يملك - داره تدخل في نذره ; لأن اللفظ يحتمله ، وفيه تشديد على نفسه ، وقال أبو يوسف : ويجب عليه أن يتصدق بما دون النصاب ولا أحفظه عن أبي حنيفة رحمه الله والوجه ما ذكرنا .

وإذا كانت له ثمرة عشرية أو غلة عشرية تصدق بها في قولهم ; لأن هذا مما يتعلق به حق الله - تعالى - وهو العشر وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى لا تدخل الأرض في النذر ، وقال أبو يوسف : يتصدق بها لأبي يوسف أنها من جملة الأموال النامية التي يتعلق حق الله - تعالى - بها فتدخل في النذر ، ولأبي حنيفة رضي الله عنه أن حق الله - تعالى - لا يتعلق بها ، وإنما يتعلق بالخارج منها فلا تدخل .

التالي السابق


الخدمات العلمية