موعظة المؤمنين من إحياء علوم الدين

القاسمي - محمد جمال الدين القاسمي

صفحة جزء
بيان الرياء الخفي الذي هو أخفى من دبيب النمل :

اعلم أن الرياء جلي وخفي ، فالجلي هو الذي يبعث على العمل ويحمل عليه ولو قصد الثواب ، وهو أجلاه ، وأخفى منه قليلا هو ما لا يحمل على العمل بمجرده إلا أنه يخفف العمل الذي يريد به وجه الله كالذييعتاد التهجد كل ليلة ويثقل عليه ، فإذا نزل عنده ضيف تنشط له وخف عليه .

وأخفى من ذلك ما لا يؤثر في العمل ، ولا بالتسهيل والتخفيف أيضا ولكنه مع ذلك مستبطن في القلب ، وأجلى علاماته أن يسر باطلاع الناس على طاعته ، فرب عبد يخلص في عمله ، ولا يعتقد الرياء ، بل يكرهه ويرده ويتمم العمل كذلك ، ولكن إذا اطلع عليه الناس سره ذلك وارتاح له وروح ذلك عن قلبه شدة العبادة ، وهذا السرور يدل على رياء خفي منه يرشح السرور ، ولولا التفات القلب إلى الناس ما ظهر سروره عند اطلاع الناس ، فلقد كان الرياء مستكنا في القلب استكنان النار في الحجر ، فأظهر منه اطلاع الخلق أثر الفرح والسرور ، ثم إذا استشعر لذة السرور بالاطلاع ولم يقابل ذلك بكراهية فيصير ذلك قوتا وغذاء للعرق الخفي في الرياء حتى يتحرك على نفسه حركة خفية فيتقاضى تقاضيا خفيا أن يتكلف سببا يطلع عليه بالتعريض أو بالشمائل كخفض الصوت وآثار الدموع .

وأخفى من ذلك أن يختفي بحيث لا يريد الاطلاع ، ولا يسر بظهور طاعته ولكنه مع ذلك إذا رأى الناس أحب أن يقابلوه بالبشاشة والتوقير ، وأن يثنوا عليه ، وأن ينشطوا في قضاء حوائجه ، وأن يسامحوه في البيع والشراء ، وأن يوسعوا له في المكان ، فإن قصر فيه مقصر ثقل ذلك على قلبه ووجد لذلك استبعادا في نفسه كأنه يتقاضى الاحترام مع الطاعة التي أخفاها ، ومهما لم يكن وجود العبادة كعدمها في كل ما يتعلق بالخلق لم يكن خاليا عن شوب خفي من الرياء أخفى من دبيب النمل ، وكل ذلك يوشك أن يحبط الأجر ، ولا يسلم منه إلا الصديقون .

ولم يزل المخلصون خائفين من الرياء الخفي يجتهدون في إخفائها أعظم مما يحرص الناس على إخفاء فواحشهم ، كل ذلك رجاء أن تخلص أعمالهم الصالحة فيجازيهم الله في يوم القيامة بإخلاصهم ، إذ علموا أن الله لا يقبل في القيامة إلا الخالص وعلموا شدة حاجتهم وفاقتهم في القيامة ، وأنه يوم لا ينفع فيه مال ، ولا بنون ، ولا يجزي والد عن ولده .

فإذن شوائب الرياء الخفي كثيرة لا تنحصر ، ومهما أدرك من نفسه تفرقة بين أن يطلع على عبادته إنسان أو بهيمة ففيه شعبة من الرياء ، فلو كان مخلصا لما بالى بالناس لعلمه أنهم لا يقدرون على رزق ، ولا أجل ، ولا زيادة ثواب ونقصان عقاب .

[ ص: 238 ] فإن قلت : فما نرى أحدا ينفك عن السرور إذا عرفت طاعاته ، فالسرور مذموم كله أو بعضه محمود وبعضه مذموم ؟ فنقول : السرور منقسم إلى محمود ومذموم ، فالمحمود مثل أن يكون قصده إخفاء الطاعة والإخلاص لله ولكن لما اطلع عليه الخلق علم أن الله أطلعهم وأظهر الجميل من أحواله ، فيستدل به على حسن صنع الله به وألطافه به ، إذ لا لطف أعظم من ستر القبيح وإظهار الجميل ، فيكون فرحه بجميل نظر الله له لا بحمد الناس وقيام المنزلة في قلوبهم ، وقد قال تعالى : ( قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا ) [ يونس : 58 ] .

ومثل أن يظن رغبة المطلعين على الاقتداء به في الطاعة فيتضاعف بذلك أجره فيكون له أجر العلانية بما أظهر وأجر السر بما قصده أولا ، ومن اقتدي به في طاعة فله مثل أجر أعمال المقتدين به من غير أن ينقص من أجورهم شيء ، وتوقع ذلك جدير بأن يكون سبب السرور .

ومثل أن يحمده المطلعون على طاعته فيفرح بطاعتهم لله في مدحهم وبحبهم للمطيع وبميل قلوبهم إلى الطاعة ، فهذا فرح بحسن إيمان عباد الله ، وعلامة الإخلاص في هذا الورع أن يكون فرحه بحمدهم غيره مثل فرحه بحمدهم إياه .

وأما السرور المذموم فهو أن يكون فرحه لقيام منزلته في قلوب الناس حتى يمدحوه ويعظموه ويقوموا بقضاء حوائجه ويقابلوه بالإكرام فهذا مكروه .

التالي السابق


الخدمات العلمية