1. الرئيسية
  2. التفسير الكبير
  3. سورة البقرة
  4. قوله تعالى يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإياي فارهبون
صفحة جزء
أما قوله تعالى : ( وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم ) فاعلم أن العهد يضاف إلى المعاهد والمعاهد جميعا وذكروا في هذا العهد قولين :

القول الأول : أن المراد منه جميع ما أمر الله به من غير تخصيص ببعض التكاليف دون بعض ثم فيه روايات ، إحداها : أنه تعالى جعل تعريفه إياهم نعمه عهدا له عليهم من حيث يلزمهم القيام بشكرها ، كما يلزمهم الوفاء بالعهد والميثاق ، وقوله : ( أوف بعهدكم ) أراد به الثواب والمغفرة ، فجعل الوعد بالثواب شبيها بالعهد من حيث اشتراكهما في أنه لا يجوز الإخلال به .

ثانيها : قال الحسن : المراد منه العهد الذي أخذه الله تعالى على بني إسرائيل في قوله تعالى : ( وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا وقال الله إني معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة ) [ المائدة : 12 ] إلى قوله : ( ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار ) [ المائدة : 12 ] فمن وفى لله بعهده وفى الله له بعهده .

وثالثها : وهو قول جمهور المفسرين : أن المراد أوفوا بما أمرتكم به من الطاعات ونهيتكم عنه من المعاصي أوف بعهدكم ، أي أرضى عنكم وأدخلكم الجنة ، وهو الذي حكاه الضحاك عن ابن عباس وتحقيقه ما جاء في قوله تعالى : ( إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ) [ التوبة : 111 ] إلى قوله تعالى : ( ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به ) [ التوبة : 111 ] .

القول الثاني : أن المراد من هذا العهد ما أثبته في الكتب المتقدمة من وصف محمد صلى الله عليه وسلم وأنه سيبعثه على ما صرح بذلك في سورة المائدة بقوله : ( ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل ) [ المائدة : 12 ] إلى قوله : ( لأكفرن عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار ) [ المائدة : 12 ] وقال في سورة الأعراف : ( ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل ) [ الأعراف : 156 ] وأما عهد الله معهم فهو أن ينجز لهم ما وعدهم من وضع ما كان عليهم من الإصر والأغلال التي كانت في أعناقهم ، وقال : ( وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق ) [ آل عمران : 81 ] الآية . وقال : ( وإذ قال عيسى ابن مريم يابني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد ) [ الصف : 6 ] . وقال ابن عباس : إن الله تعالى عهد إلى بني إسرائيل في التوراة أني باعث من بني إسماعيل نبيا أميا فمن تبعه وصدق بالنور الذي يأتي به - أي بالقرآن - غفرت له ذنبه وأدخلته الجنة وجعلت له أجرين ، أجرا باتباع ما جاء به موسى وجاءت به سائر أنبياء بني إسرائيل ، وأجرا باتباع ما جاء به محمد النبي الأمي من ولد إسماعيل ، وتصديق هذا في قوله تعالى : ( الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون ) [ القصص : 52 ] إلى قوله : ( أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ) [ القصص : 54 ] وكان علي بن عيسى يقول : تصديق ذلك في قوله تعالى : [ ص: 34 ] ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ) [ الحديد : 28 ] وتصديقه أيضا فيما روى أبو موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين رجل من أهل الكتاب آمن بعيسى ثم آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم فله أجران ، ورجل أدب أمته فأحسن تأديبها وعلمها فأحسن تعليمها ثم أعتقها وتزوجها فله أجران ، ورجل أطاع الله وأطاع سيده فله أجران " بقي ههنا سؤالان :

السؤال الأول : لو كان الأمر كما قلتم فكيف يجوز من جماعتهم جحده ؟ والجواب من وجهين :

الأول : أن هذا العلم كان حاصلا عند العلماء بكتبهم لكن لم يكن لهم العدد الكثير فجاز منهم كتمانه .

الثاني : أن ذلك النص كان نصا خفيا لا جليا فجاز وقوع الشكوك والشبهات فيه .

السؤال الثاني : الشخص المبشر به في هذه الكتب إما أن يكون قد ذكر في هذه الكتب وقت خروجه ومكان خروجه وسائر التفاصيل المتعلقة بذلك أو لم يذكر شيء من ذلك ، فإن كان ذلك النص نصا جليا واردا في كتب منقولة إلى أهل العلم بالتواتر فكان يمتنع قدرتهم على الكتمان ، وكان يلزم أن يكون ذلك معلوما بالضرورة من دين الأنبياء المتقدمين . وإن كان الثاني لم يدل ذلك النص على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم لاحتمال أن يقولوا : إن ذلك المبشر به سيجيء بعد ذلك على ما هو قول جمهور اليهود . والجواب أن الذين حملوا قوله تعالى : ( وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم ) على الأمر بالتأمل في الدلائل الدالة على التوحيد والنبوة على ما شرحناه في القول الأول إنما اختاروه لقوة هذا السؤال ، فأما من أراد أن ينصر القول الثاني فإنه يجيب عنه بأن تعيين الزمان والمكان لم يكن منصوصا عليه نصا جليا يعرفه كل أحد ، بل كان منصوصا عليه نصا خفيا ، فلا جرم لم يلزم أن يعلم ذلك بالضرورة من دين الأنبياء المتقدمين عليهم السلام . ولنذكر الآن بعض ما جاء في كتب الأنبياء المتقدمين من البشارة بمقدم محمد صلى الله عليه وسلم :

فالأول : جاء في الفصل التاسع من السفر الأول من التوراة أن هاجر لما غضبت عليها سارة تراءى لها ملك [ من قبل ] الله فقال لها : يا هاجر أين تريدين ، ومن أين أقبلت ؟ قالت : أهرب من سيدتي سارة فقال لها : ارجعي إلى سيدتك واخفضي لها فإن الله سيكثر زرعك ، وذريتك وستحبلين وتلدين ابنا وتسمينه إسماعيل من أجل أن الله سمع تبتلك وخشوعك وهو يكون عين الناس وتكون يده فوق الجميع ويد الجميع مبسوطة إليه بالخضوع وهو يشكر على رغم جميع إخوته .

واعلم أن الاستدلال بهذا الكلام أن هذا الكلام خرج مخرج البشارة ، وليس يجوز أن يبشر الملك من قبل الله بالظلم والجور وبأمر لا يتم إلا بالكذب على الله تعالى ، ومعلوم أن إسماعيل وولده لم يكونوا متصرفين في الكل أعني في معظم الدنيا ومعظم الأمم ، ولا كانوا مخالطين للكل على سبيل الاستيلاء إلا بالإسلام ؛ لأنهم كانوا قبل الإسلام محصورين في البادية لا يتجاسرون على الدخول في أوائلالعراق وأوائل الشام إلا على أتم خوف ، فلما جاء الإسلام استولوا على الشرق والغرب بالإسلام ومازجوا الأمم ووطئوا بلادهم ، ومازجتهم الأمم وحجوا بيتهم ودخلوا باديتهم بسبب مجاورة الكعبة ، فلو لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم صادقا لكانت هذه المخالطة منهم للأمم ومن الأمم لهم معصية لله تعالى وخروجا عن طاعته إلى طاعة الشيطان ، والله يتعالى عن أن يبشر بما هذا سبيله .

والثاني : جاء في الفصل الحادي عشر من السفر الخامس : " إن الرب إلهكم يقيم لكم نبيا مثلي من [ ص: 35 ] بينكم ومن إخوانكم " ، وفي هذا الفصل أن الرب تعالى قال لموسى : " إني مقيم لهم نبيا مثلك من بين إخوانهم ، وأيما رجل لم يسمع كلماتي التي يؤديها عني ذلك الرجل باسمي أنا أنتقم منه " . وهذا الكلام يدل على أن النبي الذي يقيمه الله تعالى ليس من بني إسرائيل ، كما أن من قال لبني هاشم : إنه سيكون من إخوانكم إمام ، عقل أنه لا يكون من بني هاشم ، ثم إن يعقوب عليه السلام هو إسرائيل ولم يكن له أخ إلا العيص ، ولم يكن للعيص ولد من الأنبياء سوى أيوب وإنه كان قبل موسى عليه السلام ، فلا يجوز أن يكون موسى عليه السلام مبشرا به ، وأما إسماعيل فإنه كان أخا لإسحق والد يعقوب ثم إن كل نبي بعث بعد موسى كان من بني إسرائيل ، فالنبي عليه السلام ما كان منهم لكنه كان من إخوانهم ؛ لأنه من ولد إسماعيل الذي هو أخو إسحق عليهم السلام . فإن قيل قوله : " من بينكم " يمنع من أن يكون المراد محمدا صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه لم يقم من بين بني إسرائيل . قلنا : بل قد قام من بينهم ؛ لأنه عليه السلام ظهر بالحجاز فبعث بمكة وهاجر إلى المدينة وبها تكامل أمره . وقد كان حول المدينة بلاد اليهود كخيبر وبني قينقاع والنضير وغيرهم ، وأيضا فإن الحجاز يقارب الشام ، وجمهور اليهود كانوا إذ ذاك بالشام ، فإذا قام محمد بالحجاز فقد قام من بينهم ، وأيضا فإنه إذا كان من إخوانهم فقد قام من بينهم فإنه ليس ببعيد منهم .

والثالث : قال في الفصل العشرين من هذا السفر : " إن الرب تعالى جاء في طور سيناء وطلع لنا من ساعير وظهر من جبال فاران وصف عن يمينه عنوان القديسين فمنحهم العز وحببهم إلى الشعوب ودعا لجميع قديسيه بالبركة " وجه الاستدلال : أن جبل فاران هو بالحجاز ؛ لأن في التوراة أن إسماعيل تعلم الرمي في برية فاران ، ومعلوم أنه إنما سكن بمكة . إذا ثبت هذا فنقول : إن قوله : " فمنحهم العز " لا يجوز أن يكون المراد إسماعيل عليه السلام ؛ لأنه لم يحصل عقيب سكنى إسماعيل عليه السلام هناك عز ولا اجتمع هناك ربوات القديسين فوجب حمله على محمد عليه السلام . قالت اليهود : المراد أن النار لما ظهرت من طور سيناء ظهرت من ساعير نار أيضا ، ومن جبل فاران أيضا ، فانتشرت في هذه المواضع . قلنا : هذا لا يصح ؛ لأن الله تعالى لو خلق نارا في موضع فإنه لا يقال جاء الله من ذلك إذا تابع ذلك الواقعة وحي نزل في ذلك الموضع أو عقوبة وما أشبه ذلك ، وعندكم أنه لم يتبع ظهور النار وحي ولا كلام إلا من طور سيناء فما كان ينبغي إلا أن يقال : ظهر من ساعير ومن جبل فاران فلا يجوز وروده كما لا يقال جاء الله من الغمام إذا ظهر في الغمام احتراق ونيران كما يتفق ذلك في أيام الربيع ، وأيضا ففي كتاب حبقوق بيان ما قلنا وهو : جاء الله من طور سيناء والقدس من جبل فاران ، وانكشفت السماء من بهاء محمد وامتلأت الأرض من حمده . يكون شعاع منظره مثل النور يحفظ بلده بعزه ، تسير المنايا أمامه ، ويصحب سباع الطير أجناده ، قام فمسح الأرض ، وتأمل الأمم وبحث عنها فتضعضعت الجبال القديمة ، واتضعت الروابي والدهرية ، وتزعزعت ستور أهل مدين ، وركبت الخيول ، وعلوت مراكب الانقياد والغوث ، وستنزع في قسيك إغراقا ونزعا ، وترتوي السهام بأمرك يا محمد ارتواء ، وتخور الأرض بالأنهار ، ولقد رأتك الجبال فارتاعت وانحرف عنك شؤبوب السيل ، ونفرت المهاري نفيرا ورعبا ، ورفعت أيديها وجلا وفرقا ، وتوقفت الشمس والقمر عن مجراهما ، وسارت العساكر في برق سهامك ولمعان بيانك تدوخ الأرض غضبا وتدوس الأمم زجرا ؛ لأنك ظهرت بخلاص أمتك وإنقاذ تراب آبائك " . هكذا نقل عن ابن رزين الطبري .

أما النصارى فقال أبو الحسين رحمه الله في كتاب الغرر قد رأيت في نقولهم : " وظهر من جبال فاران لقد تقطعت السماء من بهاء محمد المحمود وترتوي السهام بأمرك المحمود ؛ لأنك ظهرت بخلاص [ ص: 36 ] أمتك وإنقاذ مسيحك " ، فظهر بما ذكرنا أن قوله تعالى في التوراة : " ظهر الرب من جبال فاران " ليس معناه ظهور النار منه بل معناه ظهور شخص موصوف بهذه الصفات ، وما ذاك إلا رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم . فإن قالوا : المراد مجيء الله تعالى ولهذا قال في آخر الكلام : " وإنقاذ مسيحك " قلنا : لا يجوز وصف الله تعالى بأنه يركب الخيول ، وبأن شعاع منظره مثل النور ، وبأنه جاز المشاعر القديمة ، أما قوله : ( وإنقاذ مسيحك ) فإن محمدا عليه السلام أنقذ المسيح من كذب اليهود والنصارى .

والرابع : ما جاء في كتاب أشعياء في الفصل الثاني والعشرين منه : " قومي فأزهري مصباحك - يريد مكة - فقد دنا وقتك ، وكرامة الله تعالى طالعة عليك ، فقد تجلل الأرض الظلام وغطى على الأمم الضباب ، والرب يشرق عليك إشراقا ويظهر كرامته عليك تسير الأمم إلى نورك والملوك إلى ضوء طلوعك وارفعي بصرك إلى ما حولك وتأملي فإنهم مستجمعون عندك ، ويحجونك ويأتيك ولدك من بلد بعيد لأنك أم القرى ، فأولاد سائر البلاد كأنهم أولاد مكة ، وتتزين ثيابك على الأرائك والسرر حين ترين ذلك تسرين وتبتهجين من أجل أنه يميل إليك ذخائر البحر ، ويحج إليك عساكر الأمم ، ويساق إليك كباش مدين ، ويأتيك أهل سبأ ويتحدثون بنعم الله ويمجدونه ، وتسير إليك أغنام فاران ، ويرفع إلى مذبحي ما يرضيني ، وأحدث حينئذ لبيت محمدتي حمدا " فوجه الاستدلال أن هذه الصفات كلها موجودة لمكة ، فإنه قد حج إليها عساكر الأمم ، ومال إليها ذخائر البحر ، وقوله : " وأحدث لبيت محمدتي حمدا " معناه أن العرب كانت تلبي قبل الإسلام فتقول : لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك . ثم صار في الإسلام : لبيك اللهم لبيك ، لا شريك لك لبيك . فهذا هو الحمد الذي جدده الله لبيت محمدته . فإن قيل المراد بذلك بيت المقدس وسيكون ذلك فيما بعد . قلنا لا يجوز أن يقول الحكيم : " قد دنا وقتك " مع أنه ما دنا بل الذي دنا أمر لا يوافق رضاه ، ومع ذلك لا يحذر منه ، وأيضا فإن كتاب أشعياء مملوء من ذكر البادية وصفتها ، وذلك يبطل قولهم .

والخامس : روى السمان في تفسيره في السفر الأول من التوراة أن الله تعالى أوحى إلى إبراهيم عليه السلام قال : " قد أجبت دعاك في إسماعيل وباركت عليه فكبرته وعظمته جدا جدا وسيلد اثني عشر عظيما وأجعله لأمة عظيمة " والاستدلال به أنه لم يكن في ولد إسماعيل من كان لأمة عظيمة غير نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فأما دعاء إبراهيم عليه السلام وإسماعيل فكان لرسولنا عليه الصلاة والسلام لما فرغا من بناء الكعبة ، وهو قوله : ( ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم ) [ البقرة : 129 ] ولهذا كان يقول عليه الصلاة والسلام : " أنا دعوة أبي إبراهيم وبشارة عيسى " وهو قوله : ( ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد ) [ الصف : 6 ] فإنه مشتق من الحمد والاسم المشتق من الحمد ليس إلا لنبينا فإن اسمه محمد وأحمد ومحمود . قيل إن صفته في التوراة أن مولده بمكة ، ومسكنه بطيبة ، وملكه بالشام ، وأمته الحمادون .

والسادس : قال المسيح للحواريين : " أنا أذهب وسيأتيكم الفارقليط روح الحق الذي لا يتكلم من قبل نفسه إنما يقول كما يقال له " وتصديق ذلك : ( إن أتبع إلا ما يوحى إلي ) [ الأحقاف : 9 ] ، وقوله : ( قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي ) [ يونس : 15 ] أما " الفارقليط " ففي تفسيره وجهان :

أحدهما : أنه الشافع المشفع ، وهذا أيضا صفته عليه الصلاة والسلام .

الثاني : قال بعض النصارى : الفارقليط هو [ ص: 37 ] الذي يفرق بين الحق والباطل وكان في الأصل فاروق كما يقال راووق للذي يروق به وأما " ليط " فهو التحقيق في الأمر كما يقال شيب أشيب ذو شيب ، وهذا أيضا صفة شرعنا ؛ لأنه هو الذي يفرق بين الحق والباطل .

والسابع : قال دانيال لبختنصر حين سأله عن الرؤيا التي كان رآها من غير أن قصها عليه : رأيت أيها الملك منظرا هائلا رأسه من الذهب الأبريز ، وساعده من الفضة ، وبطنه وفخذاه من نحاس ، وساقاه من حديد وبعضها من خزف ، ورأيت حجرا يقطع من غير قاطع ، وصك رجل ذلك الصنم ودقها دقا شديدا فتفتت الصنم كله حديده ونحاسه وفضته وذهبه وصارت رفاتا ، وعصفت بها الرياح فلم يوجد لها أثر ، وصار ذلك الحجر الذي صك ذلك الرجل من ذلك الصنم جبلا عاليا امتلأت به الأرض فهذا رؤياك أيها الملك . وأما تفسيرها فأنت الرأس الذي رأيته من الذهب ويقوم بعدك مملكة أخرى دونك ، والمملكة الثالثة التي تشبه النحاس تنبسط على الأرض كلها ، والمملكة الرابعة تكون قوتها مثل الحديد ، وأما الرجل التي كان بعضها من خزف فإن بعض المملكة يكون عزيزا وبعضها يكون ذليلا ، وتكون كلمة الملك متفرقة ، ويقيم إله السماء في تلك الأيام مملكة أبدية لا تتغير ولا تزول وإنها تزيل جميع الممالك وسلطانها يبطل جميع السلاطين وتقوم هي إلى الدهر الداهر ، فهذا تفسير الحجر الذي رأيت أنه يقطع من جبل بلا قاطع حتى دق الحديد والنحاس والخزف ، والله أعلم بما يكون في آخر الزمان . فهذه هي البشارات الواردة في الكتب المتقدمة بمبعث رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم .

أما قوله تعالى : ( أوف بعهدكم ) فقالت المعتزلة : ذلك العهد هو ما دل العقل عليه من أن الله تعالى يجب عليه إيصال الثواب إلى المطيع وصح وصف ذلك الوجوب بالعهد ؛ لأنه بحيث يجب الوفاء به فكان ذلك أوكد من العهد بالإيجاب بالنذر واليمين : وقال أصحابنا : إنه لا يجب للعبد على الله شيء ، وفي هذه الآية ما يدل على ذلك ؛ لأنه تعالى لما قدم ذكر النعم ، ثم رتب عليه الأمر بالوفاء بالعهد دل على أن تلك النعم السالفة توجب عهد العبودية ، وإذا كان كذلك كان أداء العبادات أداء لما وجب بسبب النعم السالفة وأداء الواجب لا يكون سببا لواجب آخر ، فثبت أن أداء التكاليف لا يوجب الثواب فبطل قولالمعتزلة بل التفسير الحق من وجهين :

الأول : أنه تعالى لما وعد بالثواب - وكل ما وعد به استحال أن لا يوجد ، لأنه لو لم يوجد لانقلب خبره الصدق كذبا والكذب عليه محال ، والمفضي إلى المحال محال - فكان ذلك واجب الوقوع فكان ذلك آكد مما ثبت باليمين والنذر .

الثاني : أن يقال العهد هو الأمر والعبد يجوز أن يكون مأمورا إلا أن الله تعالى لا يجوز أن يكون مأمورا لكنه سبحانه وتعالى جرى في ذلك على موافقة اللفظ كقوله : ( يخادعون الله وهو خادعهم ) [ النساء : 142 ] ( ومكروا ومكر الله ) [ آل عمران : 54 ] وأما قوله : ( وإياي فارهبون ) فاعلم أن الرهبة هي الخوف قال المتكلمون : الخوف منه تعالى هو الخوف من عقابه ، وقد يقال في المكلف : إنه خائف على وجهين :

أحدهما : مع العلم ، والآخر مع الظن ، أما العلم فإذا كان على يقين من أنه أتى بكل ما أمر به واحترز عن كل ما نهي عنه فإن خوفه إنما يكون عن المستقبل ، وعلى هذا نصف الملائكة والأنبياء عليهم السلام بالخوف والرهبة . قال تعالى : ( يخافون ربهم من فوقهم ) [ النحل : 50 ] وأما الظن فإذا لم يقطع بأنه فعل [ ص: 38 ] المأمورات واحترز عن المنهيات ، فحينئذ يخاف أن لا يكون من أهل الثواب ، واعلم أن كل من كان خوفه في الدنيا أشد كان أمنه يوم القيامة أكثر وبالعكس . روي : " أنه ينادي مناد يوم القيامة وعزتي وجلالي إني لا أجمع على عبدي خوفين ولا أمنين من أمنني في الدنيا خوفته يوم القيامة ، ومن خافني في الدنيا أمنته يوم القيامة " وقال العارفون : الخوف خوفان : خوف العقاب وخوف الجلال . والأول : نصيب أهل الظاهر ، والثاني : نصيب أهل القلب ، والأول يزول ، والثاني لا يزول . واعلم أن في الآية دلالة على أن كثرة النعم تعظم المعصية ، ودلالة على ما تقدم العهد يعظم المخالفة ودلالة على أن الرسول كما كان مبعوثا إلى العرب كان مبعوثا إلى بني إسرائيل .

وقوله : ( وإياي فارهبون ) يدل على أن المرء يجب أن لا يخاف أحدا إلا الله تعالى ، وكما يجب ذلك في الخوف فكذا في الرجاء والأمل ، وذلك يدل على أن الكل بقضاء الله وقدره إذ لو كان العبد مستقلا بالفعل لوجب أن يخاف منه كما يخاف من الله تعالى وحينئذ يبطل الحصر الذي دل عليه قوله تعالى : ( وإياي فارهبون ) بل كان يجب أن لا يرهب إلا نفسه ؛ لأن مفاتيح الثواب والعقاب بيده لا بيد الله تعالى فوجب أن لا يخاف إلا نفسه ، وأن لا يخاف الله ألبتة ، وفيها دلالة على أنه يجب على المكلف أن يأتي بالطاعات للخوف والرجاء ، وأن ذلك لا بد منه في صحتها ، والله أعلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية