صفحة جزء
[ ص: 164 ] ( يوم تشقق الأرض عنهم سراعا ذلك حشر علينا يسير نحن أعلم بما يقولون وما أنت عليهم بجبار فذكر بالقرآن من يخاف وعيد ) .

وقوله تعالى : ( يوم تشقق الأرض عنهم سراعا ) العامل فيه هو ما في قوله : ( يوم الخروج ) [ ق : 42 ] من الفعل أي يخرجون ( يوم تشقق الأرض عنهم سراعا ) وقوله : ( سراعا ) حال للخارجين لأن قوله تعالى : ( عنهم ) يفيد كونهم مفعولين بالتشقق فكان التشقق عند الخروج من القبر كما يقال كشف عنه فهو مكشوف عنه فيصير " سراعا " هيئة المفعول كأنه قال مسرعين والسراع جمع سريع كالكرام جمع كريم .

قوله : ( ذلك حشر ) يحتمل أن يكون إشارة إلى التشقق عنهم ، ويحتمل أن يكون إشارة إلى الإخراج المدلول عليه بقوله سراعا ، ويحتمل أن يكون معناه ذلك الحشر حشر يسير ; لأن الحشر علم مما تقدم من الألفاظ .

وقوله تعالى : ( علينا يسير ) بتقديم الظرف يدل على الاختصاص ، أي هو علينا هين لا على غيرنا وهو إعادة جواب قولهم : ( ذلك رجع بعيد ) [ ق : 3 ] والحشر الجمع ، ويوم القيامة جمع الأجزاء بعضها إلى بعض وجمع الأرواح مع الأشباح أي يجمع بين كل روح وجسدها وجمع الأمم المتفرقة والرمم المتمزقة والكل واحد في الجمع .

ثم قال تعالى : ( نحن أعلم بما يقولون وما أنت عليهم بجبار فذكر بالقرآن من يخاف وعيد ) فيه وجوه .

أحدها : تسلية لقلب النبي - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين وتحريض لهم على ما أمر به النبي - صلى الله عليه وسلم - من الصبر والتسبيح ، أي اشتغل بما قلناه ولا يشغلك الشكوى إلينا ، فإنا نعلم أقوالهم ونرى أعمالهم ، وعلى هذا فقوله : ( وما أنت عليهم بجبار ) مناسب له أي لا تقل بأني أرسلت إليهم لأهديهم ، فكيف أشتغل بما يشغلني عن الهداية وهو الصلاة والتسبيح ، فإنك ما بعثت مسلطا على دواعيهم وقدرهم ، وإنما أمرت بالتبليغ ، وقد بلغت فاصبر وسبح وانتظر اليوم الذي يفصل فيه بينكم .

ثانيها : هي كلمة تهديد وتخويف لأن قوله : ( وإلينا المصير ) ظاهر في التهديد بالعلم بعملكم لأن من يعلم أن مرجعه إلى الملك ولكنه يعتقد أن الملك لا يعلم ما يفعله لا يمتنع من القبائح ، أما إذا علم أنه يعلمه وعنده غيبه وإليه عوده يمتنع .

فقال تعالى : ( وإلينا المصير ) و ( نحن أعلم ) وهو ظاهر في التهديد ، وهذا حينئذ كقوله تعالى : ( ثم إلينا مرجعكم فننبئكم بما كنتم تعملون ) [يونس : 23] ( إنه عليم بذات الصدور ) .

ثالثها : تقرير الحشر وذلك لأنه لما بين أن الحشر عليه يسير لكمال قدرته ونفوذ إرادته ، ولكن تمام ذلك بالعلم الشامل حتى يميز بين جزء بدنين جزء بدن زيد وجزء بدن عمرو فقال : ( ذلك حشر علينا يسير ) لكمال قدرتنا ، ولا يخفى علينا الأجزاء لمكان علمنا ، وعلى هذا فقوله : ( نحن أعلم بما يقولون ) معناه نحن نعلم عين ما يقولون في قولهم: ( أئذا متنا وكنا ترابا ) [ ق: 3 ] ( أئذا ضللنا في الأرض ) [ السجدة : 10 ] فيقول : نحن نعلم الأجزاء التي يقولون فيها إنها ضالة وخفية ولا يكون المراد نحن نعلم وقولهم في الأول جاز أن تكون ما مصدرية فيكون المراد من قوله : ( ما يقولون ) أي قولهم ، وفي الوجه الآخر تكون خبرية ، وعلى هذا الدليل فلا يصح قوله : ( نحن أعلم ) إذ لا عالم بتلك الأجزاء سواه حتى يقول : ( نحن أعلم ) نقول قد علم الجواب عنه مرارا من وجوه :

أحدها : أن أفعل لا يقتضي الاشتراك في أصل الفعل كما في قوله تعالى : ( والله أحق أن تخشاه ) [ ص: 165 ] [ الأحزاب : 37 ] وفي قوله تعالى : ( وأحسن نديا ) [ مريم : 77 ] ، وفي قوله : ( وهو أهون عليه ) [ الروم : 27 ] .

ثانيها : معناه نحن أعلم بما يقولون من كل عالم بما يعلمه ، والأول أصح وأظهر وأوضح وأشهر وقوله : (وما أنت عليهم بجبار ) فيه وجوه :

أحدها : أنه للتسلية أيضا ، وذلك لأنه لما من عليه بالإقبال على الشغل الأخروي وهو العبادة أخبر بأنه لم يصرف عن الشغل الآخر وهو البعث ، كما أن الملك إذا أمر بعض عبيده بشغلين فظهر عجزه في أحدهما : يقول له أقبل على الشغل الآخر منهما ونحن نبعث من يقدر على الذي عجزت عنه منهما ، فقال :" اصبر وسبح . وما أنت ...... بجبار " أي فما كان امتناعهم بسبب تجبر منك أو تكبر فاشمأزوا من سوء خلقك ، بل كنت بهم رؤوفا وعليهم عطوفا وبالغت وبلغت وامتنعوا فأقبل على الصبر والتسبيح غير مصروف عن الشغل الأول بسبب جبروتك ، وهذا في معنى قوله تعالى : ( ما أنت بنعمة ربك بمجنون ) إلى أن قال : ( وإنك لعلى خلق عظيم ) [ القلم : 4 ] .

ثانيها : هو بيان أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أتى بما عليه من الهداية ، وذلك لأنه أرسله منذرا وهاديا لا ملجأ ومجبرا ، وهذا كما في قوله تعالى : ( فما أرسلناك عليهم حفيظا ) [ النساء : 80 ] أي تحفظهم من الكفر والنار ، وقوله : ( وما أنت عليهم ) في معنى قول القائل : اليوم فلان علينا ، في جواب من يقول : من عليكم اليوم ؟ أي من الوالي عليكم .

ثالثها : هو بيان لعدم وقت نزول العذاب بعد ، وذلك لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما أنذر وأعذر وأظهر لم يؤمنوا كان يقول إن هذا وقت العذاب ، فقال : نحن أعلم بما يقولون وما أنت عليهم بمسلط فذكر بعذابي إن لم يؤمنوا من بقي منهم ممن تعلم أنه يؤمن ثم تسلط ، ويؤيد هذا قول المفسرين أن الآية نزلت قبل نزول آية القتال ، وعلى هذا فقوله : ( فذكر بالقرآن من يخاف وعيد ) أي من بقي منهم ممن يخاف يوم الوعيد ، وفيه وجوه أخر :

أحدها : أنا بينا في أحد الوجوه أن قوله تعالى : ( فاصبر على ما يقولون وسبح ) [ ق : 39 ] معناه أقبل على العبادة ، ثم قال : ولا تترك الهداية بالكلية بل ( وذكر ) [ الذاريات: 55 ] المؤمنين ( فإن الذكرى تنفع المؤمنين ) [ الذاريات : 55 ] ( وأعرض عن الجاهلين ) وقوله : ( بالقرآن ) فيه وجوه :

الأول : فذكر بما في القرآن واتل عليهم القرآن يحصل لهم بسبب ما فيه المنفعة .

الثاني : ( فذكر بالقرآن ) أي بين به أنك رسول لكونه معجزا ، وإذا ثبت كونك رسولا لزمهم قبول قولك في جميع ما تقول به .

الثالث : المراد فذكر بمقتضى ما في القرآن من الأوامر الواردة بالتبليغ والتذكير ، وحينئذ يكون القرآن لانتفاع النبي - صلى الله عليه وسلم - به أي اجعل القرآن إمامك ، وذكرهم بما أخبرت فيه بأن تذكرهم ، وعلى الأول معناه اتل عليهم القرآن ليتذكروا بسببه ، وقوله تعالى : ( من يخاف وعيد ) من جملة ما يبين كون الخشية دالة على عظمة المخشي أكثر مما يدل عليه الخوف ، حيث قال : ( يخاف ) عندما جعل المخوف عذابه ووعيده ، وقال : ( واخشوني ) [ البقرة : 150 ] عندما جعل المخوف نفسه العظيم ، وفي هذه الآية إشارة إلى الأصول الثلاثة ، وقوله : ( وذكر ) إشارة إلى أنه مرسل مأمور بالتذكير منزل عليه القرآن حيث قال : ( بالقرآن ) وقوله : ( وعيد ) إشارة إلى اليوم الآخر وضمير المتكلم في قوله : ( وعيد ) يدل على الوحدانية ، فإنه لو قال من يخاف وعيد الله كان يذهب وهم الله إلى كل صوب فلذا قال : ( وعيد ) والمتكلم أعرف المعارف وأبعد عن الإشراك به وقبول الاشتراك فيه ، وقد بينا في أول السورة أن أول السورة وآخرها متقاربان في المعنى حيث قال في الأول : ( ق والقرآن المجيد ) [ ق : 1 ] وقال في آخرها : ( فذكر بالقرآن ) .

وهذا آخر تفسير هذه السورة والحمد لله رب العالمين ، وصلاته على خاتم النبيين وسيد المرسلين محمد النبي وآله وصحبه وأزواجه وذريته أجمعين .

التالي السابق


الخدمات العلمية