صفحة جزء
[ ص: 382 ] قال المصنف - رحمه الله تعالى - : ( ولا تصح الجمعة حتى يتقدمها خطبتان ; لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { صلوا كما رأيتموني أصلي } ولم يصل الجمعة إلا بخطبتين ، وروى ابن عمر قال { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة خطبتين ، يجلس بينهما } ولأن السلف قالوا : إنما قصرت الجمعة لأجل الخطبة ، فإذا لم يخطب رجع إلى الأصل ، ومن شرط الخطبة العدد الذي تنعقد به الجمعة لقوله تعالى - : { إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله } والذكر الذي يفعل بعد النداء هو الخطبة ، ولأنه ذكر شرط في صحة الجمعة فشرط فيه العدد كتكبيرة الإحرام فإن خطب بالعدد ثم انفضوا وعادوا قبل الإحرام فإن لم يطل الفصل - صلى الجمعة ; لأنه ليس بأكثر من الصلاتين المجموعتين .

ثم الفصل اليسير لا يمنع الجمع فكذلك لا يمنع الجمع بين الخطبة والصلاة .

وإن طال الفصل قال الشافعي - رحمه الله : أحببت أن يبتدئ الخطبة ثم يصلي بعدها الجمعة ، فإن لم يفعل صلى الظهر ، واختلف أصحابنا فيه ، فقال أبو العباس : تجب إعادة الخطبة ، ثم يصلي [ بعدها ] الجمعة ; لأن الخطبة مع الصلاة كالصلاتين المجموعتين فكما لا يجوز الفصل الطويل بين الصلاتين لم يجز بين الخطبة والصلاة ، وما نقله المزني لا يعرف .

وقال أبو إسحاق : يستحب أن يعيد الخطبة ; لأنه لا يأمن أن ينفضوا مرة أخرى ، فجعل ذلك عذرا في جواز البناء ، وأما الصلاة فإنها واجبة ; لأنه يقدر على فعلها ، فإن صلى بهم الظهر جاز بناء على أصله : إذا اجتمع أهل بلد على ترك الجمعة ، ثم صلوا الظهر أجزأهم ، وقال بعض أصحابنا : يستحب إعادة الخطبة والصلاة على ظاهر النص : لأنهم انفضوا عنه مرة فلا يأمن أن ينفضوا عنه ثانيا فصار ذلك عذرا في ترك الجمعة ) .


( الشرح ) حديث { صلوا كما رأيتموني أصلي } رواه البخاري من رواية مالك بن الحويرث ، وسبق في صفة الصلاة ، وحديث ابن عمر رواه البخاري ومسلم .

( وقوله ) : ولأنه ذكر احتراز من ستر العورة وغيره من الشروط فإنه لا يشترط له العدد ، وقوله : شرط في صحة الجمعة احتراز من الأذان .

( أما الأحكام ) فمسألة الانفضاض إلى آخرها [ فقد سبق ] شرحها ، وبيان الاختلاف فيها في مسألة الانفضاض في الصلاة واتفقت نصوص الشافعي وطرق الأصحاب على أن الجمعة لا تصح حتى يتقدمها خطبتان ، ومن شرطها العدد ، وفرقوا بين الجمعة والعيد حيث كانت خطبة الجمعة قبلها ، والعيد [ ص: 383 ] بعده ; لأن خطبة الجمعة شرط لصحة الصلاة ، وشأن الشرط أن يقدم ، ولأن الجمعة فريضة فأخرت الصلاة ليدركها المتأخر ، وللتمييز بين الفرض والنفل ومن شرط الخطبتين كونهما في وقت الظهر .

فلو خطب الخطبتين أو بعضهما قبل الزوال ثم صلى بعدهما لم يصح بلا خلاف عندنا ، نص عليه الشافعي ، واتفق عليه الأصحاب وجوزه مالك وأحمد ، وقد أهمل المصنف بيان هذا الشرط هنا ، وفي التنبيه .

( فرع ) في مذاهب العلماء في الخطبة قد ذكرنا أن مذهبنا أن تقدم خطبتين شرط لصحة الجمعة ، وأن من شرطها العدد الذي تنعقد به الجمعة ، وبهذه الجملة قال مالك وأحمد والجمهور ، وقال أبو حنيفة : الخطبة شرط ، ولكن تجزئ خطبة واحدة .

ولا يشترط العدد لسماعها كالأذان .

وحكى ابن المنذر عن الحسن البصري : أن الجمعة تصح بلا خطبة .

وبه قال داود وعبد الملك من أصحاب مالك ، قال القاضي عياض : وروي عن مالك .

دليلنا قوله صلى الله عليه وسلم { صلوا كما رأيتموني أصلي } وثبتت صلاته صلى الله عليه وسلم بعد خطبتين .

التالي السابق


الخدمات العلمية