صفحة جزء
قال المصنف رحمه الله تعالى : ( ومتى تجب الفطرة ؟ فيه قولان ( قال في القديم ) : تجب بطلوع الفجر من يوم الفطر ; لأنها قربة تتعلق بالعيد . فلا يتقدم وقتها على يومه ، كالصلاة والأضحية ( وقال في الجديد ) : تجب بغروب الشمس من ليلة الفطر من رمضان ; لما روى ابن عمر : { أن النبي صلى الله عليه وسلم فرض صدقة الفطر من رمضان } ، والفطر من رمضان لا يكون إلا بغروب الشمس من ليلة العيد ; ولأن الفطرة جعلت طهرة للصائم بدليل ما روي : أن { النبي صلى الله عليه وسلم فرض صدقة الفطر طهرة للصائم من الرفث واللغو وطعمة للمساكين } ، وانقضاء الصوم بغروب الشمس ، فإن رزق ولدا أو تزوج امرأة أو اشترى عبدا ودخل عليه الوقت وهم عنده وجبت عليه فطرتهم ، وإن رزق ولدا أو تزوج امرأة أو اشترى العبد بعد دخول الوقت أو ماتوا قبل دخول الوقت لم تجب فطرتهم ، [ ص: 85 ] وإن دخل وقت الوجوب وهم عنده ثم ماتوا قبل إمكان الأداء ففيه وجهان ، ( أحدهما ) : تسقط كما تسقط زكاة المال ( والثاني ) : لا تسقط ; لأنها تجب في الذمة فلم تسقط بموت المرأة ، ككفارة الظهار ، ويجوز تقديم الفطرة من أول ( شهر ) رمضان ; لأنها تجب بسببين ، بصوم رمضان والفطر منه ، فإذا وجد أحدهما جاز تقديمها على الآخر ، كزكاة المال بعد ملك النصاب وقبل الحول ، ولا يجوز تقديمها على ( شهر ) رمضان ; لأنه تقديم على السببين ، فهو كإخراج زكاة المال قبل الحول والنصاب ، والمستحب : أن تخرج قبل صلاة العيد ; لما روى ابن عمر : أن { النبي صلى الله عليه وسلم أمر بزكاة الفطر أن تخرج قبل خروج الناس إلى الصلاة } ولا يجوز تأخيرها عن يومه ; لقوله صلى الله عليه وسلم : { أغنوهم عن الطلب في هذا اليوم } ، فإن أخره حتى خرج اليوم ، أثم وعليه القضاء ; لأنه حق مال وجب عليه وتمكن من أدائه ، فلا يسقط عنه بفوات الوقت ) .


( الشرح ) حديث ابن عمر الأول رواه مسلم بلفظه ، وأصله في الصحيحين .

وأما حديث : أن { النبي صلى الله عليه وسلم فرض صدقة الفطر طهرة للصائم من الرفث واللغو وطعمة للمساكين } فرواه أبو داود من رواية ابن عباس بإسناد حسن .

وأما حديث ابن عمر : { أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بزكاة الفطر أن تخرج قبل خروج الناس إلى الصلاة } فرواه البخاري ومسلم في صحيحيهما بلفظه .

وأما حديث { أغنوهم عن الطلب في هذا اليوم } فرواه البيهقي بإسناد ضعيف ، وأشار إلى تضعيفه . وقوله : ( لأنها قربة تتعلق بالعيد ) احترز به عن الزكاة وغيرها ، ولكنه ينتقض بغسل العيد على أصح القولين ، فإنه قربة تتعلق بالعيد ويدخل وقتها قبل الفجر .

قوله : ( طهرة وطعمة ) بضم الطاء فيهما وقوله : ( أغنوهم عن الطلب ) هو بهمزة قطع مفتوحة ، وإنما قيدته ; لأني رأيت كثيرين ممن لا أنس لهم بشيء من العربية يضمونها ، وهذه غباوة ظاهرة ، والصواب الفتح ; لأنه رباعي ، فالأمر فيه بفتح الهمزة كأعطى [ ص: 86 ] وأنفق وأخرج . يقول : يا قوم أنفقوا وأخرجوا وأعطوا وأغنوا السائل بفتح الهمزة في الجميع ، مع قطعها . قال الله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا أنفقوا } وأخرجوا أنفسكم ، وقال تعالى في أغنى رباعيا : { ووجدك عائلا فأغنى } ، ( أما أحكام الفصل ) ففيه مسائل ( إحداها ) : في وقت وجوب زكاة الفطر ثلاثة أقوال مشهورة في الطريقين ( أصحها ) باتفاقهم : تجب بغروب الشمس ليلة عيد الفطر ، وهو نصه في الجديد ( والثاني ) وهو القديم : تجب بطلوع الفجر يوم عيد الفطر ، ودليلهما في الكتاب ( الثالث ) : تجب بالوقتين جميعا ، فلو وجد أحدهما دون الآخر فلا وجوب ، خرجه ابن القاص وضعفه الأصحاب وأنكروه عليه .

قال أصحابنا : فلو ولد له ولد أو تزوج امرأة أو ملك عبدا ، أو أسلم الكافر بعد غروب الشمس وقبل الفجر وبقوا إلى الفجر لم تجب فطرتهم على الجديد والمخرج ، وتجب في القديم ، ولو وجدوا قبل الغروب وماتوا بين الغروب والفجر وجبت في الجديد دون القديم والمخرج ، ولو وجدوا بعد الغروب وماتوا قبل الفجر لم تجب بالاتفاق ، وارتداد الزوج والرقيق وطلاقها البائن كالموت ، ولو زال الملك في العبد بعد الغروب وعاد قبل الفجر وجبت في الجديد والقديم ، وعلى المخرج وجهان حكاهما إمام الحرمين وغيره بناء على الخلاف المشهور : أن الزائل العائد كالذي لم يزل أو كالذي لم يعد والأصح : الوجوب ، ولو باعه بعد الغروب وملكه المشتري في الحال بانقطاع الخيار واستمر ملكه فعلى الجديد فطرته على البائع ، وعلى القديم على المشتري وعلى المخرج : لا تجب على واحد منهما ; لأن [ ص: 87 ] الوقتين لم يقعا في ملك واحد منهما ، ولو مات مالك العبد بين الغروب والفجر ، وانتقل العبد للوارث فعلى الجديد فطرة هذا العبد في تركة الميت وفي القديم على الوارث وعلى المخرج وجهان . ( الصحيح ) : لا فطرة على واحد ( والثاني ) : تجب على الوارث بناء على القول القديم ، ثم إن الوارث يبني على حول المورث ، ولو كان عبد بين شريكين بينهما مهايأة فغربت الشمس في نوبة أحدهما وطلع الفجر في نوبة الآخر ، وقلنا : باعتبار القولين قال إمام الحرمين : تجب الفطرة مشتركة بلا خلاف ، سواء قلنا : تدخل في المهايأة أم لا ; لأن أحدهما لم ينفرد به وقت الوجوب .

( والثانية ) لو مات المؤدى عنه بعد دخول وقت الوجوب وقبل التمكن من الأداء فوجهان مشهوران ، ذكرهما المصنف بدليليهما ( أصحهما ) : لا تسقط الفطرة وبه قطع ابن الصباغ وغيره ( والثاني ) : تسقط ، وأما إذا لم يمت المؤدي ولا المؤدى عنه لكن تلف المال بعد دخول وقت الوجوب قبل التمكن من الأداء ففي سقوط الفطرة وجهان حكاهما قال : ( أصحهما ) : تسقط كزكاة المال ( والثاني ) : لا ، والفرق : أن زكاة المال تتعلق بالعين بخلاف الفطرة ، وأما إذا تلف المال بعد التمكن فيستقر عليه الضمان بلا خلاف ; لتقصيره وقياسا على زكاة المال .

( الثالثة ) : قال أصحابنا : يجوز تعجيل زكاة الفطر قبل وجوبها بلا خلاف ; لما ذكره المصنف . وفي وقت التعجيل ثلاثة أوجه .

( والصحيح ) الذي قطع به المصنف والجمهور : يجوز في جميع رمضان ، ولا يجوز قبله ( والثاني ) : يجوز بعد طلوع فجر اليوم الأول من رمضان وبعده إلى آخر الشهر ، ولا يجوز في الليلة الأولى ; لأنه لم يشرع في الصوم . حكاه المتولي وآخرون .

( والثالث ) : يجوز في جميع السنة ، حكاه البغوي وغيره ، واتفقت نصوص الشافعي والأصحاب : على أن الأفضل أن [ ص: 88 ] يخرجها يوم العيد قبل الخروج إلى صلاة العيد ، وأنه يجوز إخراجها في يوم العيد كله ، وأنه لا يجوز تأخيرها عن يوم العيد ، وأنه لو أخرها عصى ولزمه قضاؤها وسموا إخراجها بعد يوم العيد قضاء ، ولم يقولوا في الزكاة إذا أخرها عن التمكن : إنها قضاء ، بل قالوا : يأثم ويلزمه إخراجها وظاهره : أنها تكون أداء ، والفرق : أن الفطرة مؤقتة بوقت محدود ففعلها خارج الوقت يكون قضاء كالصلاة ، وهذا معنى القضاء في الاصطلاح ، وهو فعل العبادة بعد وقتها المحدود ، بخلاف الزكاة فإنها لا تؤقت بزمن محدود . والله أعلم .

( فرع ) في مذاهب العلماء في وقت وجوب الفطرة . ذكرنا : أن الصحيح عندنا وجوبها بغروب الشمس ليلة عيد الفطر ، وبه قال الثوري وأحمد وإسحاق ورواية عن مالك . وقال أبو حنيفة وأصحابه وأبو ثور وداود ورواية عن مالك : تجب بطلوع الفجر . وقال بعض المالكية : تجب بطلوع الشمس .

التالي السابق


الخدمات العلمية