صفحة جزء
قال المصنف رحمه الله تعالى ويكره الوصال في الصوم ، لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { إياكم والوصال قالوا : إنك تواصل يا رسول الله قال : إني لست كهيئتكم إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني } وهل هو كراهة تحريم ؟ أو هو كراهة تنزيه ؟ فيه وجهان : ( أحدهما ) أنه كراهة تحريم ; لأن النهي يقتضي التحريم .

( والثاني ) أنه كراهة تنزيه ; لأنه إنما نهى عنه حتى لا يضعف عن الصوم ، وذلك أمر غير محقق فلم يتعلق به إثم ، فإن واصل لم يبطل صومه ; لأن النهي لا يرجع إلى الصوم فلا يوجب بطلانه .


( الشرح ) حديث أبي هريرة رواه البخاري ومسلم ، والوصال بكسر الواو ، ويطعمني بضم الياء ، ويسقيني بضم الياء وفتحها ، والفتح أفصح وأشهر . وقوله : لأنه إنما نهى عنه بضم النون وفتحها . أما حكم الوصال فهو مكروه بلا خلاف عندنا ، وهل هي كراهة تحريم أم تنزيه ؟ فيه الوجهان اللذان ذكرهما المصنف وهما مشهوران ودليلهما في الكتاب ( أصحهما ) عند أصحابنا وهو ظاهر نص الشافعي كراهة تحريم ; لأن الشافعي رضي الله عنه قال في المختصر : فرق الله تعالى [ ص: 400 ] بين رسوله وبين خلقه في أمور أباحها له ، وحظرها عليهم ، وذكر منها الوصال . وممن صرح به من أصحابنا بتصحيح تحريمه صاحب العدة والرافعي وآخرون . وقطع به جماعة من أصحابنا منهم القاضي أبو الطيب في كتابه المجرد ، والخطابي في المعالم وسليم الرازي في الكفاية ، وإمام الحرمين في النهاية والبغوي والروياني في الحلية ، والشيخ نصر في كتابه الكافي ، وآخرون كلهم صرحوا بتحريمه من غير خلاف . قال أصحابنا : وحقيقة الوصال المنهي عنه أنه يصوم يومين فصاعدا ولا يتناول في الليل شيئا لا ماء ولا مأكولا ، فإن أكل شيئا يسيرا أو شرب فليس وصالا .

وكذا إن أخر الأكل إلى السحر لمقصود صحيح أو غيره فليس بوصال وممن صرح بأن الوصال ألا يأكل ولا يشرب ، ويزول الوصال بأكل أو شرب - وإن قل - صاحب الحاوي وسليم الرازي والقاضي أبو الطيب وإمام الحرمين والشيخ نصر والمتولي وصاحب العدة وصاحب البيان ، وخلائق لا يحصون من أصحابنا . وأما قول المحاملي في المجموع وأبي علي بن الحسن بن عمر البندنيجي في كتابه الجامع والغزالي في الوسيط والبغوي في التهذيب : الوصال ألا يأكل شيئا في الليل ، وخصوه بالأكل فضعيف بل هو متأول على موافقة الأصحاب ويكون مرادهم لا يأكل ولا يشرب كما قاله الجماهير ، واكتفوا بذكر أحد القرينين كقوله تعالى { سرابيل تقيكم الحر } أي والبرد ، ونظائره معروفة ، وقد بالغ إمام الحرمين فقال في النهاية في بيان ما يزول به الوصال : فقيل : يزول الوصال بقطرة يتعاطاها كل ليلة ، ولا يكفي اعتقاده أن من جن عليه الليل فقد أفطر ، هذا لفظه بحروفه . واعلم أن الجمهور قد أطلقوا في بيان حقيقة الوصال أنه صوم يومين فأكثر من غير أكل ولا شرب في الليل . قال الروياني في الحلية : الوصال أن يصل صوم الليل بصوم النهار قصدا ، فلو ترك الأكل بالليل لا على قصد الوصال والتقرب إلى الله به لم يحرم .

وقال البغوي : العصيان في الوصال لقصده إليه وإلا فالفطر حاصل [ ص: 401 ] بدخول الليل ، كالحائض إذا صلت عصت ، وإن لم يكن لها صلاة ، وهذا الذي قالاه خلاف إطلاق الجمهور وخلاف ما صرح به إمام الحرمين كما سبق قريبا ، وقد قال المحاملي في المجموع : الوصال ترك الأكل بالليل دون نية الفطر ; لأن الفطر يحصل بالليل ، سواء نوى الإفطار أم لا . هذا كلامه . وظاهره مخالف لقول الروياني والبغوي . والله أعلم . فالصواب أن الوصال ترك الأكل والشرب في الليل بين الصومين عمدا بلا عذر .

( فرع ) اتفق أصحابنا وغيرهم على أن الوصال لا يبطل الصوم سواء حرمناه أو كرهناه ، لما ذكره المصنف أن النهي لا يعود إلى الصوم ، والله أعلم .

( فرع ) اتفقت نصوص الشافعي والأصحاب على أن الوصال من خصائص رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو مكروه في حقنا ، إما كراهة تحريم على الصحيح وإما تنزيه ، ومباح له صلى الله عليه وسلم كذا قاله الشافعي والجمهور . وقال إمام الحرمين : هو قربة في حقه ، وقد نبه صلى الله عليه وسلم على الفرق بيننا وبينه في ذلك بقوله : { إني لست كهيئتكم إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني } واختلف أصحابنا في تأويل هذا الحديث على وجهين مشهورين في الحاوي ومنهاج القاضي أبي الطيب والمعالم للخطابي والعدة والبيان وغيرها : ( أحدهما ) وهو الأصح أن معناه أعطي قوة الطاعم الشارب ، وليس المراد الأكل حقيقة إذ لو أكل حقيقة لم يبق وصال ، ولقال : ما أنا مواصل ، ويؤيد هذا التأويل ما سنذكره إن شاء الله تعالى قريبا في فرع بيان الأحاديث في حديث أنس ، وقوله صلى الله عليه وسلم : { إني أظل يطعمني ربي ويسقيني } ولا يقال : ظل إلا في النهار ، فدل على أنه لم يأكل .

( والثاني ) أنه صلى الله عليه وسلم كان يؤتى بطعام وشراب من الجنة كرامة له لا تشاركه فيها الأمة ، وذكر صاحب العدة والبيان تأويلا [ ص: 402 ] ثالثا مع هذين قالا : وقيل : معناه أن محبة الله تشغلني عن الطعام والشراب ، والحب البالغ يشغل عنهما .

( فرع ) قال أصحابنا : الحكمة في النهي عن الوصال لئلا يضعف عن الصيام والصلاة وسائر الطاعات ، أو يملها ويسأم منها لضعفه بالوصال ، أو يتضرر بدنه أو بعض حواسه وغير ذلك من أنواع الضرر . فرع في مذاهب العلماء في الوصال ذكرنا أن مذهبنا أنه منهي ، عنه وبه قال الجمهور ، وقال العبدري : وهو قول العلماء كافة إلا ابن الزبير ، فإنه كان يواصل اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم وقال ابن المنذر : كان ابن الزبير وابن أبي نعيم يواصلان ، وذكر الماوردي في الحاوي أن عبد الله بن الزبير واصل سبعة عشر يوما ثم أفطر على سمن ولبن وصبر . قال : وتأول في السمن أنه يلين الأمعاء ، واللبن ألطف غذاء ، والصبر يقوي الأعضاء دليلنا الحديث السابق وما سنذكره من الأحاديث إن شاء الله تعالى .

( فرع ) في بيان جملة من أحاديث الوصال ، عن ابن عمر قال : { نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوصال قالوا : إنك تواصل ، قال : إني لست مثلكم إني أطعم وأسقى } ورواه البخاري ومسلم ، وفي رواية لمسلم : { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم واصل في رمضان فواصل الناس فنهاهم قيل له : أنت تواصل ، قال : إني لست مثلكم ، إني أطعم وأسقى } .

وعن أبي هريرة قال : { نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوصال فقال رجل : فإنك يا رسول الله تواصل ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وأيكم مثلي ؟ إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني ، فلما أبوا أن لا ينتهوا عن الوصال واصل بهم يوما ثم يوما ثم رأوا الهلال ، فقال : لو تأخر الهلال لزدتكم كالمنكل لهم حين أبوا أن ينتهوا } رواه البخاري ومسلم ، وعنه أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { إياكم والوصال مرتين قيل : إنك تواصل قال : أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني فاكلفوا من الأعمال ما تطيقون } [ ص: 403 ] رواه البخاري بهذا اللفظ ومسلم بمعناه واكلفوا بفتح اللام : معناه خذوا برغبة ونشاط . وعن عائشة قالت : { نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوصال رحمة لهم قالوا : إنك تواصل ، قال : إني لست كهيئتكم إني يطعمني ربي ويسقيني } رواه البخاري ومسلم ، وعن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { لا تواصلوا قالوا : إنك تواصل قال : إني لست كأحد منكم ، إني أطعم وأسقى } رواه البخاري بلفظه ومسلم بمعناه وعنه قال : { واصل رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول شهر رمضان فواصل ناس فبلغه ذلك ، فقال : لو مد لنا الشهر لواصلنا وصالا ، ويدع المتعمقون تعمقهم إنكم لستم مثلي - أو قال : إني لست مثلكم إني أظل يطعمني ربي ويسقيني } رواه مسلم هنا ، والبخاري في باب : لو من كتاب التمني في صحيحه .

وعن أبي سعيد الخدري أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : { لا تواصلوا فأيكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر قالوا : فإنك تواصل يا رسول الله ، قال : إني لست كهيئتكم إني أبيت لي مطعم يطعمني وساق يسقيني } رواه البخاري .

التالي السابق


الخدمات العلمية