صفحة جزء
قال المصنف - رحمه الله تعالى ( وإن احتاج إليه في بضاعة يتجر فيها ليحصل له ما يحتاج إليه للنفقة ففيه وجهان ، قال أبو العباس بن سريج : لا يلزمه الحج ; لأنه يحتاج إليه هو كالمسكن والخادم ( ومن ) أصحابنا من قال : يلزمه ; لأنه واجد للزاد والراحلة ) .


[ ص: 60 ] ( الشرح ) قال أصحابنا : إذا كانت له بضاعة يتكسب بها كفايته وكفاية عياله ، أو كان له عرض تجارة يحصل من غلته كل سنة كفايته وكفاية عياله ، وليس معه ما يحج به غير ذلك ، وإذا حج به كفاه وكفى عياله ذاهبا وراجعا ، ولا يفضل شيء ، فهل يلزمه الحج ؟ فيه هذان الوجهان اللذان ذكرهما المصنف وهما مشهوران : ( أحدهما ) لا يلزمه ، وهو قول ابن سريج ، وصححه القاضي أبو الطيب والروياني ، والشاشي ، قال : لأن الشافعي قال في المفلس : يترك له ما يتجر به لئلا ينقطع ويحتاج إلى الناس ، فإذا جاز أن يقطع له من حق الغرماء بضاعة فجوازه في الحج أولى .

( والثاني ) وهو الصحيح يلزمه الحج ; لأنه واجد للزاد والراحلة ، وهما الركن المهم في وجوب الحج ، قال الشيخ أبو حامد : ولو لم نقل بالوجوب للزم أن نقول : من لا يمكنه أن يتجر بأقل من ألف دينار لا يلزمه الحج إذا ملكها . وهذا لا يقوله أحد ، قال أصحابنا : والفرق بين هذا وبين المسكن والخادم أنه محتاج إليهما في الحال . وما نحن فيه نجده ذخيرة ، قال المحاملي والأصحاب : وأما ما ذكره الشافعي في باب التفليس فمراده أنه يترك له ذلك برضا الغرماء ، فأما بغير رضاهم فلا يترك ، وهذا الذي صححناه من وجوب الحج هو الصحيح عند جماهير الأصحاب فممن صححه الشيخ أبو حامد والبندنيجي والماوردي والمحاملي والقاضي حسين في تعليقه والمتولي وصاحب البيان والرافعي وآخرون ، قال صاحب الحاوي : هذا مذهب الشافعي وجمهور أصحابه سوى ابن سريج قال الشيخ أبو حامد : هذا هو المذهب ولا أعرف ما حكي عن ابن سريج عنه ولا أجده في شيء من كتبه ، قال أبو حامد : وقول ابن سريج خلاف للإجماع وقال المحاملي : قول عامة أصحابنا أنه يلزمه الحج ، وما قاله ابن سريج غلط ، وكذا قال القاضي حسين والمتولي وصاحب البيان وآخرون من أصحابنا أن عامة أصحابنا قالوا بالوجوب خلافا لابن سريج ، ونقل إمام الحرمين عن العراقيين أنهم غلطوا ابن سريج في هذا وزيفوا قوله ، وهو كما قالوه . هذا لفظ الإمام ، وبالوجوب قال أبو حنيفة وبعدمه قال أحمد ، وأنكر بعضهم على الشيخ أبي حامد دعواه الإجماع على الوجوب مع [ ص: 61 ] مخالفة أحمد ، وجوابه أنه أراد إجماع من قبله ، وكأنه يقول : إن أحمد وابن سريج محجوجان بالإجماع قبلهما ، والله أعلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية