صفحة جزء
( 2465 ) مسألة : قال : ( ولا يستلم ، ولا يقبل من الأركان إلا الأسود واليماني ) الركن اليماني قبلة أهل اليمن ، ويلي الركن الذي فيه الحجر الأسود ، وهو آخر ما يمر عليه من الأركان في طوافه ، وذلك أنه يبدأ بالركن الذي فيه الحجر الأسود ، وهو قبلة أهل خراسان فيستلمه ويقبله ، ثم يأخذ على يمين نفسه ، ويجعل البيت على يساره ، فإذا انتهى إلى الركن الثاني ، وهو العراقي ، لم يستلمه ، فإذا مر بالثالث ، وهو الشامي ، لم يستلمه أيضا ، وهذان الركنان يليان الحجر ، فإذا وصل إلى الرابع ، وهو الركن اليماني ، استلمه .

قال الخرقي : ( ويقبله ) . والصحيح عن أحمد أنه لا يقبله . وهو قول أكثر أهل العلم . وحكي عن أبي حنيفة أنه لا يستلمه . قال ابن عبد البر : جائز عند أهل العلم أن يستلم الركن اليماني ، والركن الأسود ، لا يختلفون في شيء من ذلك ، وإنما الذي فرقوا به بينهما التقبيل ، فرأوا تقبيل الأسود ، ولم يروا تقبيل اليماني ، وأما استلامهما فأمر مجمع عليه .

قال : وقد روى مجاهد ، عن ابن عباس ، قال : { رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استلم الركن قبله ، ووضع خده الأيمن عليه } . قال : وهذا لا يصح . وإنما يعرف التقبيل في الحجر الأسود وحده .

وقد روى ابن عمر ، { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يستلم إلا الحجر ، والركن اليماني . } وقال ابن عمر : ما تركت استلام هذين الركنين اليماني والحجر ، منذ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يستلمهما ، في شدة ، ولا رخاء . رواهما مسلم . ولأن الركن اليماني مبني على قواعد إبراهيم ، عليه السلام ، فسن استلامه ، كالذي فيه الحجر .

وأما تقبيله فلم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم فلا يسن . وأما الركنان اللذان يليان الحجر ، فلا يسن استلامهما في قول أكثر أهل العلم . وروي عن معاوية ، وجابر ، وابن الزبير ، والحسن ، والحسين ، وأنس ، وعروة ، استلامهما . وقال معاوية : ليس شيء من البيت مهجورا .

ولنا ، قول ابن عمر : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم { كان لا يستلم إلا الحجر ، والركن اليماني . } وقال : ما أراه - يعني النبي صلى الله عليه وسلم - لم يستلم الركنين اللذين يليان الحجر ، إلا أن البيت لم يتم على قواعد إبراهيم ، ولا طاف الناس من وراء الحجر إلا لذلك .

وروي عن ابن عباس ، أن معاوية طاف ، فجعل يستلم الأركان كلها ، فقال له ابن عباس : لم تستلم هذين الركنين ، ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يستلمهما ؟ فقال معاوية ليس شيء من البيت مهجورا . فقال ابن عباس : { لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة } . فقال معاوية : صدقت . ولأنهما لم يتما على قواعد إبراهيم ، فلم يسن استلامهما ، كالحائط الذي يلي الحجر .

( 2466 ) فصل : ويستلم الركنين الأسود واليماني في كل طوافه ; لأن ابن عمر قال : { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يدع أن يستلم الركن اليماني والحجر ، في كل طوافه } . قال نافع : وكان ابن عمر يفعله . رواه أبو داود .

وإن لم يتمكن من تقبيل الحجر ، استلمه ، وقبل يده . وممن رأى تقبيل اليد عند استلامه ابن عمر ، وجابر ، وأبو هريرة ، وأبو سعيد ، [ ص: 189 ] وابن عباس ، وسعيد بن جبير ، وعطاء ، وعروة ، وأيوب ، والثوري ، والشافعي ، وإسحاق .

وقال مالك : يضع يده على فيه من غير تقبيل . وروي أيضا عن القاسم بن محمد . ولنا ، { أن النبي صلى الله عليه وسلم استلمه ، وقبل يده } . أخرجه مسلم . وفعله أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وتبعهم أهل العلم على ذلك ، فلا يعتد بمن خالفهم .

وإن كان في يده شيء يمكن أن يستلم الحجر به ، استلمه وقبله ; لما روي عن ابن عباس ، قال : { رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف بالبيت ، ويستلم الركن بمحجن معه ، ويقبل المحجن } . رواه مسلم . فإن لم يمكنه استلامه ، أشار إليه وكبر ; لما روى البخاري ، بإسناده عن ابن عباس ، قال : { طاف النبي صلى الله عليه وسلم على بعير ، كلما أتى الركن أشار إليه ، وكبر . }

التالي السابق


الخدمات العلمية