صفحة جزء
( 4575 ) الفصل الثالث : أنه إذا لم تكن به بينة ، أو تعارضت به بينتان ، وسقطتا ، فإنا نريه القافة معهما ، أو مع عصبتهما عند فقدهما ، فنلحقه بمن ألحقته به منهما . هذا قول أنس ، وعطاء ، ويزيد بن عبد الملك ، [ ص: 46 ] والأوزاعي ، والليث ، والشافعي ، وأبي ثور . وقال أصحاب الرأي : لا حكم للقافة ، ويلحق بالمدعيين جميعا ; لأن الحكم بالقافة تعويل على مجرد الشبه والظن والتخمين ، فإن الشبه يوجد بين الأجانب ، وينتفي بين الأقارب ، ولهذا روي عن النبي صلى الله عليه وسلم { أن رجلا أتاه ، فقال : يا رسول الله ، إن امرأتي ولدت غلاما أسود ، فقال : هل لك من إبل ؟ قال : نعم . قال : فما ألوانها ؟ . قال : حمر . قال : فهل فيها من أورق ؟ قال : نعم . قال : أنى أتاها ذلك ؟ قال : لعل عرقا نزع . قال : وهذا لعل عرقا نزع } . متفق عليه . قالوا : ولو كان الشبه كافيا لاكتفي به في ولد الملاعنة ، وفيما إذا أقر أحد الورثة بأخ وأنكره الباقون . ولنا ما روي عن عائشة ، رضي الله عنها { ، أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها يوما مسرورا ، تبرق أسارير وجهه ، فقال : ألم تري أن مجززا المدلجي نظر آنفا إلى زيد وأسامة ، وقد غطيا رءوسهما ، وبدت أقدامهما ، فقال : إن هذه الأقدام بعضها من بعض ؟ } . متفق عليه . فلولا جواز الاعتماد على القافة لما سر به النبي صلى الله عليه وسلم ولا اعتمد عليه . ولأن عمر رضي الله عنه قضى به بحضرة الصحابة ، فلم ينكره منكر ، فكان إجماعا ، ويدل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم في ولد الملاعنة : { انظروها ، فإن جاءت به حمش الساقين كأنه وحرة فلا أراه إلا قد كذب عليها ، وإن جاءت به أكحل ، جعدا ، جماليا ، سابغ الأليتين ، خدلج الساقين ، فهو للذي رميت به . فأتت به على النعت المكروه ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لولا الأيمان لكان لي ولها شأن } . فقد حكم به النبي صلى الله عليه وسلم للذي أشبهه منهما . وقوله : { لولا الأيمان لكان لي ولها شأن } . يدل على أنه لم يمنعه من العمل بالشبه إلا الأيمان ، فإذا انتفى المانع يجب العمل به لوجود مقتضيه . وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم في ابن أمة زمعة ، حين رأى به شبها بينا بعتبة بن أبي وقاص : { احتجبي منه يا سودة } . فعمل بالشبه في حجب سودة عنه . فإن قيل : فالحديثان حجة عليكم ، إذ لم يحكم النبي صلى الله عليه وسلم بالشبه فيهما ، بل ألحق الولد بزمعة ، { وقال لعبد بن زمعة : هو لك يا عبد بن زمعة ، الولد للفراش ، وللعاهر الحجر } . ولم يعمل بشبه ولد الملاعنة في إقامة الحد عليها ، لشبهه بالمقذوف . قلنا : إنما لم يعمل به في ابن أمةزمعة ; لأن الفراش أقوى ، وترك العمل بالبينة لمعارضة ما هو أقوى منها ، لا يوجب الإعراض عنها إذا خلت عن المعارض . وكذلك ترك إقامة الحد عليها من أجل أيمانها ، بدليل قوله : { لولا الأيمان لكان لي ولها شأن . } على أن ضعف الشبه عن إقامة الحد لا يوجب ضعفه عن إلحاق النسب ، فإن الحد في الزنى لا يثبت إلا بأقوى البينات ، وأكثرها عددا ، وأقوى الإقرار ، حتى يعتبر فيه تكراره أربع مرات ، ويدرأ بالشبهات ، والنسب يثبت بشهادة امرأة واحدة على الولادة ، ويثبت بمجرد الدعوى ، ويثبت مع ظهور انتفائه ، حتى لو أن امرأة أتت بولد وزوجها غائب عنها منذ عشرين سنة ، لحقه ولدها ، فكيف يحتج على نفيه بعدم إقامة الحد ، ولأنه حكم بظن غالب ، ورأي راجح ، ممن هو من أهل الخبرة ، فجاز ، كقول المقومين ، وقولهم : إن الشبه يجوز وجوده وعدمه . قلنا : الظاهر وجوده ، ولهذا { قال : النبي صلى الله عليه وسلم حين قالت أم سلمة : أو ترى ذلك المرأة ؟ قال : فمن أين يكون الشبه ؟ } . والحديث الذي احتجوا به حجة عليهم ; لأن [ ص: 47 ] إنكار الرجل ولده لمخالفة لونه ، وعزمه على نفيه لذلك ، يدل على أن العادة خلافه ، وأن في طباع الناس إنكاره ، وأن ذلك إنما يوجد نادرا ، وإنما ألحقه النبي صلى الله عليه وسلم به لوجود الفراش ، وتجوز مخالفة الظاهر لدليل ، ولا يجوز تركه من غير دليل ، ولأن ضعف الشبه عن نفي النسب لا يلزم منه ضعفه عن إثباته ، فإن النسب يحتاط لإثباته ، ويثبت بأدنى دليل ، ويلزم من ذلك التشديد في نفيه ، وأنه لا ينتفي إلا بأقوى الأدلة ، كما أن الحد لما انتفى بالشبه ، لم يثبت إلا بأقوى دليل ، فلا يلزم حينئذ من المنع من نفيه بالشبه في الخبر المذكور ، أن لا يثبت به النسب في مسألتنا . فإن قيل : فهاهنا إن عملتم بالقافة فقد نفيتم النسب عمن لم تلحقه القافة به . قلنا : إنما انتفى النسب ها هنا لعدم دليله ; لأنه لم يوجد إلا مجرد الدعوى ، وقد عارضها مثلها ، فسقط حكمها ، وكان الشبه مرجحا لأحدهما ، فانتفت دلالة أخرى ، فلزم انتفاء النسب لانتفاء دليله ، وتقديم اللعان عليه لا يمنع العمل به عند عدمه ، كاليد تقدم عليها البينة ، ويعمل بها .

التالي السابق


الخدمات العلمية