الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            جزء صفحة
                                                                                                                                            ( 4461 ) فَصْلٌ : وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي اسْتِحْبَابِ التَّسْوِيَةِ ، وَكَرَاهَةِ التَّفْضِيلِ . قَالَ إبْرَاهِيمُ : كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ أَنْ يُسَوُّوا بَيْنَهُمْ حَتَّى فِي الْقُبَلِ . إذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَالتَّسْوِيَةُ الْمُسْتَحَبَّةُ أَنْ يُقَسِّمَ بَيْنَهُمْ عَلَى حَسَبِ قِسْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى الْمِيرَاثَ ، فَيَجْعَلَ لِلذَّكَرِ مِثْلَ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ وَبِهَذَا قَالَ عَطَاءٌ ، وَشُرَيْحٌ ، وَإِسْحَاقُ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ . قَالَ شُرَيْحٌ لِرَجُلٍ قَسَّمَ مَالَهُ بَيْنَ وَلَدِهِ : اُرْدُدْهُمْ إلَى سِهَامِ اللَّهِ تَعَالَى وَفَرَائِضِهِ . وَقَالَ عَطَاءٌ : مَا كَانُوا يُقَسِّمُونَ إلَّا عَلَى كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ : تُعْطَى الْأُنْثَى مِثْلُ مَا يُعْطَى الذَّكَرُ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِبَشِيرِ بْنِ سَعْدٍ : " سَوِّ بَيْنَهُمْ " . وَعَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ { : أَيَسُرُّك أَنْ يَسْتَوُوا فِي بِرِّك ؟ . قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : فَسَوِّ بَيْنَهُمْ } . وَالْبِنْتُ كَالِابْنِ فِي اسْتِحْقَاقِ بِرِّهَا ، وَكَذَلِكَ فِي عَطِيَّتِهَا . وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : سَوُّوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ فِي الْعَطِيَّةِ ، وَلَوْ كُنْت مُؤْثِرًا لِأَحَدٍ لَآثَرْتُ النِّسَاءَ عَلَى الرِّجَالِ } . رَوَاهُ سَعِيدٌ فِي " سُنَنِهِ " . وَلِأَنَّهَا عَطِيَّةٌ فِي الْحَيَاةِ ، فَاسْتَوَى فِيهَا الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى ، كَالنَّفَقَةِ وَالْكُسْوَةِ . وَلَنَا أَنَّ اللَّهِ تَعَالَى قَسَّمَ بَيْنَهُمْ ، فَجَعَلَ لِلذَّكَرِ مِثْلَ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ، وَأَوْلَى مَا اقْتَدَى بِقِسْمَةِ اللَّهِ ، وَلِأَنَّ الْعَطِيَّةَ فِي الْحَيَاةِ أَحَدُ حَالَيْ الْعَطِيَّةِ ، فَيُجْعَلُ لِلذَّكَرِ مِنْهَا مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ، كَحَالَةِ الْمَوْتِ . يَعْنِي الْمِيرَاثَ يُحَقِّقُهُ أَنَّ الْعَطِيَّةَ اسْتِعْجَالٌ لِمَا يَكُونُ بَعْدَ الْمَوْتِ ، فَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ عَلَى حَسَبِهِ ، كَمَا أَنَّ مُعَجِّلَ الزَّكَاةِ قَبْلَ وُجُوبِهَا يُؤَدِّيهَا عَلَى صِفَةِ أَدَائِهَا بَعْدَ وُجُوبِهَا ، وَكَذَلِكَ الْكَفَّارَاتُ الْمُعَجَّلَةُ ، وَلِأَنَّ الذَّكَرَ أَحْوَجُ مِنْ الْأُنْثَى ، مِنْ قِبَلِ أَنَّهُمَا إذَا تَزَوَّجَا جَمِيعًا فَالصَّدَاقُ وَالنَّفَقَةُ وَنَفَقَةُ الْأَوْلَادِ عَلَى الذَّكَرِ ، وَالْأُنْثَى لَهَا ذَلِكَ ، فَكَانَ أَوْلَى بِالتَّفْضِيلِ ; لِزِيَادَةِ حَاجَتِهِ ، وَقَدْ قَسَّمَ اللَّهُ تَعَالَى الْمِيرَاثَ ، فَفَضَّلَ الذَّكَرَ مَقْرُونًا بِهَذَا الْمَعْنَى فَتُعَلَّلُ بِهِ ، وَيَتَعَدَّى ذَلِكَ إلَى الْعَطِيَّةِ فِي الْحَيَاةِ . وَحَدِيثُ بَشِيرٍ قَضِيَّةٌ فِي عَيْنٍ ، وَحِكَايَةُ حَالٍ لَا عُمُومَ لَهَا ، وَإِنَّمَا ثَبَتَ حُكْمُهَا فِيمَا مَاثَلَهَا ، وَلَا نَعْلَمُ حَالَ أَوْلَادِ بَشِيرٍ ، هَلْ كَانَ فِيهِمْ أُنْثَى أَوْ لَا ؟ وَلَعَلَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ عَلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ إلَّا وَلَدٌ ذَكَرٌ . ثُمَّ تُحْمَلُ التَّسْوِيَةُ عَلَى الْقِسْمَةِ عَلَى كِتَابِ اللَّه تَعَالَى . وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ التَّسْوِيَةَ فِي أَصْلِ الْعَطَاءِ ، لَا فِي صِفَتِهِ ، فَإِنَّ الْقِسْمَةَ لَا تَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَكَذَلِكَ الْحَدِيثُ الْآخَرُ ، وَدَلِيلُ ذَلِكَ قَوْلُ عَطَاءٍ : مَا كَانُوا يُقَسِّمُونَ إلَّا عَلَى كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى . وَهَذَا خَبَرٌ عَنْ جَمِيعِهِمْ ، عَلَى أَنَّ الصَّحِيحَ مِنْ خَبَرِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ مُرْسَلٌ .

                                                                                                                                            ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                            الخدمات العلمية